الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الكاتب الغائب في النص الحاضر


الكاتب الغائب في النص الحاضر

دعاء يوسف

 

ثمة خسارة فادحة تحدث بصمت كلما تحولت الكتابة إلى منتج متشابه يخرج نظيفاً أكثر مما ينبغي ومرتباً أكثر مما ينبغي وخالياً من أي أثر يدل على اليد التي كتبته

الخسارة هنا لا تخص الجملة وحدها بل تخص المعنى نفسه حين يُنتزع من مزاج صاحبه ومن طريقته في النظر ومن ارتباكه الإنساني ثم يُعاد تقديمه في هيئة نص صالح للجميع ولا يشبه أحداً

كأن اللغة فقدت ملامحها الخاصة وصارت تمشي بوجه مستعار

 

ذلك الشعور المزعج الذي يمر على القارئ حين يقرأ خمس تقارير من خمس جهات مختلفة ثم يكتشف أنه لم يغادر النص الأول فعلاً

العناوين تتبدل قليلاً

بعض الكلمات تغير مكانها

لكن النبرة واحدة

البناء واحد

درجة الحرارة واحدة

حتى المسافة بين الكاتب والحدث تبدو واحدة

كأن الجميع يطل من النافذة نفسها ويرى المشهد بالعين نفسها ثم ينسحب بهدوء تاركاً تقريراً مصقولاً لا يحمل رجفة واحدة

 

في هذه اللحظة لا يضيع تنوع الأساليب فقط

الذي يضيع أعمق من ذلك بكثير

يضيع ذلك الخيط السري الذي كان يصل النص بصاحبه

يضيع الإيقاع الداخلي للجملة حين تكون مشبعة بحياة من كتبها

يضيع التوتر الصغير الذي يتركه الحزن في العبارة

ويختفي ذلك اللمعان الذي تمنحه الخبرة أو الخيبة أو التعب أو الغضب

كل ما كان يجعل اللغة مأهولة بصاحبها يتراجع خطوة بعد أخرى لصالح كتابة لائقة ومهذبة وقابلة للاستهلاك السريع

 

النص المتشابه لا يقتل الدهشة فقط

إنه يبدد الثقة أيضاً

لأن القارئ حين يعبر أكثر من تقرير ويشعر أن الكلمات خرجت من القالب نفسه يبدأ بالتعامل مع النص بوصفه مادة لا بوصفه أثراً

يقرأ بعينه فقط لا بحدسه

لا يبحث عن كاتب ولا عن نبرة ولا عن ذلك الانحراف الجميل الذي يكشف إنساناً خلف الجملة

يصير النص أشبه بمنتج معروض على رف طويل

متقن التعبئة

مغلق بإحكام

ومفرغ بعناية من أي حرارة زائدة

 

وهنا تبدأ المأساة الحقيقية

حين تنفصل الكتابة عن صاحبها بهذا الشكل

لا تعود الجملة امتداداً لوعي أو ذاكرة أو حساسية خاصة

تصير مجرد سطح جيد الصنع

سطح لا يعثر فيه القارئ على ندبة ولا على ارتباك ولا على تلك البقعة الداكنة التي تقول إن أحداً ما مر من هنا وهو مثقل بشيء يخصه

والنص الذي لا يحمل صاحبه في داخله يتحول مع الوقت إلى كلام قابل للاستبدال

يمكن أن يكتبه أي أحد

ويمكن أن يُنسب إلى أي أحد

لأن الفارق بين الأصوات يكون قد ذاب تماماً

 

الكتابة في جوهرها ليست جمع معلومات ولا ترتيب أفكار فحسب

إنها شكل من أشكال الحضور

أن يدخل الإنسان إلى لغته بما عاشه لا بما عرفه فقط

أن يترك في الجملة شيئاً من طريقته في الخوف وفي الفهم وفي التذكر

ولهذا تبدو الكتابة المتشابهة مخيفة إلى هذا الحد

لأنها لا تسحب من النصوص طرافتها فقط

بل تسحب منها أصحابها أيضاً

وتترك اللغة واقفة وحدها في منتصف الطريق

باردة

مهذبة

ومقطوعة الصلة بمن كان يفترض أن يهبها صوته

 

كل تقرير يشبه الآخر يضيف طبقة جديدة من العزلة بين القارئ والنص

وكل جملة مصقولة أكثر من اللازم تدفع الكتابة خطوة أخرى نحو الجمود


مشاهدات 30
الكاتب دعاء يوسف
أضيف 2026/06/24 - 2:55 PM
آخر تحديث 2026/06/25 - 1:11 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 74 الشهر 23782 الكلي 15899263
الوقت الآن
الخميس 2026/6/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير