الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
وطنٌ بصيغة المفعول به.. بغداد بين مديح يوظّف وعتاب يوصى

بواسطة azzaman

وطنٌ بصيغة المفعول به.. بغداد بين مديح يوظّف وعتاب يوصى

كاظم نزار الركابي

 

في التاسع من تموز استقر نعش المرشد الإيراني في مشهد، بعد مراسم وداع امتدت بين إيران والعراق، شارك رئيس الوزراء العراقي في إحدى محطاتها. وفي الرابع عشر منه امتدت اليد نفسها لتصافح الرئيس الأميركي في البيت الأبيض.

خمسة أيام بين المشهدين. الرجل واحد، والدولة واحدة. أما الهوّة بين الموقعين فتقاس بسؤال واحد: أين يقف العراق في الجملة التي يكتبها الآخرون عنه؟

في واشنطن وصف الرئيس دونالد ترامب رئيس الوزراء العراقي بأنه “بطل” و”صديق كبير للولايات المتحدة”، وتنبأ له بنفوذ يتجاوز حدود العراق إلى الشرق الأوسط. وفي طهران وصف علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد للشؤون الدولية، الزيارة بأنها مؤسفة ومهينة لنضالات الشعب العراقي، ونعت صاحبها بأنه “شاب وقليل الخبرة”.

القارئ العجول يرى تناقضاً صارخا فيما القارئ المتمهل يكتشف قاعدة واحدة. المديح يمنح دوراً، والعتاب يسحب أهلية. الأول يرفع بغداد إلى مرتبة البطل الإقليمي، والثاني يعيدها إلى مقعد التلميذ. كلاهما يحتفظ لنفسه بحق التوصيف، ويضع بغداد في موقع تلقي الصفة.

إنه نحو الوصاية: النحو الذي يُصرّف فيه العراق في موقع المفعول به، ويُحتفظ فيه بموقع الفاعل لسواه.

حين يصير الثناء قيداً

المديح في العلاقات الدولية وظيفة تتجاوز المجاملة. حين يقول رئيس دولة لرئيس حكومة أخرى إن نفوذه سيمتد إلى المنطقة، فإنه يرسم حوله دائرة من التوقعات، ويفتح أمامه دوراً إقليمياً كما تراه العاصمة التي أطلقت الوصف. هذا هو المديح الوظيفي: ثناء يُقاس بمقدار انسجام الممدوح مع مهمة كُتبت قبل وصوله.

خرجت الزيارة بحزمة تضم ثمانية وأربعين اتفاقاً ومذكرة تفاهم تتجاوز قيمتها المعلنة ستين مليار دولار، وتشمل الطاقة والكهرباء والتكنولوجيا والصحة والاتصالات. هذه حصيلة تليق بدولة تعيد بناء موقعها الاقتصادي، وتفتح نافذة جدية لتطوير الحقول واستثمار الغاز وإنشاء منافذ بعيداً عن اختناق هرمز.

عدد الوثائق يقيس حرارة الاستقبال. القيمة السيادية تُقاس بمقدار ما كتبته بغداد من جدول أعمالها، وبقدرتها على تعديله بعد انطفاء أضواء القمة. الاتفاق الذي يوسّع قدرة العراق يختلف عن الاتفاق الذي يبدّل عنوان اعتماده.

الدولة الممدوحة تُقاس بأدائها أمام من يمدحها. الدولة الفاعلة تضع معاييرها، ثم تدعو الآخرين إلى التعامل معها من داخلها.

لهذا تستقبل بغداد المديح بـثقة باردة: تستثمر ما يفتحه من أبواب، وتحذر مما يضعه حولها من أدوار. فالدول الكبرى تمنح الألقاب حين تخدم لحظة سياسية، وتسحبها بالسهولة نفسها حين تتغير الوظيفة. حين تشتد الوصاية في لحظة الانكشاف

عبارة “الشاب قليل الخبرة” لغة وصيّ يخاطب من يضعه في عهدته، لا لغة جار يخاطب دولة تملك قرارها. والأشد دلالة أن مستشار المرشد تحدث باسم الشعب العراقي، وحدد له ما يهين نضالاته وما ينسجم معها. هنا تتجاوز الوصاية قراراً سياسياً إلى مصادرة الحق في تعريف الكرامة الوطنية. الجوار يمنح إيران حق إبداء الرأي، والمصالح تمنحها حق الدفاع عن موقعها، أما الوصاية على القرار العراقي فتقيم خارج حقوق الجوار وقواعد السيادة.

وتزداد المفارقة ثقلاً لأن الخطاب يصدر من مركز جريح. المرشد الذي حكم قرابة سبعة وثلاثين عاماً قُتل في شباط، وخليفته يتواصل ببيانات مكتوبة بعيداً عن الظهور العلني.

في لحظات الانكشاف تتشدد لغة النفوذ. يعوّض المركز ما خسره في الميدان بتوسيع قبضته على المعجم. لذلك كانت العبارة الإيرانية أكبر من نقد زيارة. كانت تذكيراً بالموقع الذي يراد للعراق أن يبقى فيه: جار يتحرك بعد التشاور، ويوازن خطواته بميزان لا يوجد في بغداد.

سمعت بغداد خلال أيام أنها بطلة وأنها قاصرة. الوصفان صدرا عن طرفين متحاربين فوق رؤوس العراقيين، واستخدما القاعدة النحوية ذاتها: واشنطن تحدد حجم الدور، وطهران تحدد حدود الحركة.

كسر النحو ثلاثة أفعال

الانتقال من المفعول به إلى الفاعل لا ينجزه بيان سيادي. تنجزه ثلاثة أفعال.

الفعل الأول توحيد التقويمين. اتفاقيات الطاقة كُتبت بعمر المشروعات، والاستحقاق الأمني كُتب بعمر الأسابيع: الثلاثون من أيلول. الدولة التي توقع على المدى الطويل تحتاج إلى امتلاك مداها القصير. فالمستثمر يقرأ خريطة القرار قبل البيانات، ويحصي حاملي السلاح، ويقيس سرعة القانون في الوصول إلى من يخرقه.

الفعل الثاني رسم خريطة المنافذ. كشفت حرب هرمز أن امتلاك النفط لا يساوي امتلاك القدرة على تصديره. هبطت الصادرات الشهرية عبر المضيق من ثلاثة وتسعين مليون برميل إلى قرابة عشرة ملايين في نيسان. ارتفع سعر النفط، وبقي العراق عاجزاً عن تحويل الارتفاع إلى إيراد، لأن الثروة امتلكت الحقل وفقدت الطريق. ثم أعلنت واشنطن حراسة المضيق مقابل عشرين في المئة من قيمة الشحنات، قبل أن تتراجع عن الرسم وتحتفظ بدور الحارس. تبدلت الأجرة، وبقي ادعاء الولاية على الطريق. عودة خط بانياس وجيهان إلى الطاولة فرصة لإعادة تصميم جغرافية التصدير، شريطة أن ترسم بغداد خريطتها بعقلها.

الفعل الثالث استعادة اللغة. أن تصدر توصيفات بغداد قبل أن تصلها توصيفات الآخرين. أن تعلن معنى شراكتها مع واشنطن، وحدود علاقتها مع طهران، والمصلحة التي تحكم انفتاحها. التوازن وقوف داخل المصلحة العراقية، وقياس المسافات كلها منها.

يمتلك العراق اليوم فرصة نادرة: طرفان يتنازعان عليه وكلاهما مثقل بكلفة الصراع، وحزمة اقتصادية فوق الطاولة، وموعد محدد لإنهاء ازدواج القوة. إنها لحظة الفاعل بامتياز.

وتبديدها يحوّل ثمانية وأربعين باباً للخروج من التبعية إلى ثمانية وأربعين قناة لإعادة إنتاجها. فالمال لا يصنع السيادة وحده، والشركات لا تبني الدولة نيابة عن أهلها، والمديح لا يمنح وطناً موقع الفاعل.بين موكب في مشهد ومصافحة في واشنطن خمسة أيام. وبين المفعول به والفاعل قرار واحد:أن تكتب بغداد الجملة، ويُصرّف الآخرون أنفسهم فيها.

 

 


مشاهدات 104
الكاتب كاظم نزار الركابي
أضيف 2026/07/20 - 3:53 PM
آخر تحديث 2026/07/21 - 1:07 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 651 الشهر 22652 الكلي 15927779
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/7/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير