فاتح عبد السلام
كانت مجموعة من العراقيين في مقهى تتحادث وتحلل زيارة رئيس الحكومة العراقية الى البيت الأبيض، كعادة سبعة وأربعين مليون محلل استراتيجي عراقي كل يوم، وهم نفس عدد سكان البلاد.
فجأة، قال أحدهم، انا لا أفهم في المشاريع الاقتصادية والاستثمارات النفطية التي جرى بحثها مع الرئيس ترامب او رؤساء الشركات العملاقة، لكن عيني كانت تراقب شيئا واحدا لو تم الحديث عنه لاعتبرت الزيارة ناجحة في وجهة نظري كمواطن عراقي. لأنني أرى ان لا معنى لاي انجاز اقتصادي اذا كنا عاجزين عن انجاز شيء واحد، أنجزته دول صغيرة ومحدودة الموارد في حين نحن لم نستطع فعل ذلك عشرين سنة وربما لعشرين سنة مقبلة ايضاً.
شد كلام الرجل جميع من حوله، وراحوا ينتظرون منه المزيد لمعرفة ذلك الشيء الذي يبقى النجاح رهناً له. وحين سكت الرجل، لم يحتمل أحدهم فقال: بالله عليك قل لنا ما هو هذا الشيء؟
وقبل أن يكمل السؤال أو ينتظر له جواباً، برز رجل اخر من الشلّة وقال مخاطبا الجميع أيضاً:
إذا لا تريد اعلامنا بذلك “الشيء”، فقل لنا الحرف الأول منه، ودعنا نحزر بدورنا بقية ذلك الشيء.
استطعم المتحدث الفكرة، ورأى فيها لعبة تضاف للتسلية في هذه الأمسية التي خيمت عليها الاخبار السيئة، وقال بصوت جهوري:
الشيء هو واضح ومعروف ولا يخفي على أي انسان، ولا أحد يستطيع أن يستغني عنه، ولو قلت حرفاً واحداً منه لعرفتموه رأساً، ولم يبق للحزورة أي معنى.
قال رجل منهم: معقولة انه واضح الى هذه الدرجة ونحن غافلون عنه.
أجاب المتحدث: لا اعتقد انكم غافلون عن ذكره، لكنكم عاجزون إزاء هذا الشيء.
قال رجل: هو حرف قله واتركنا نتوقع ذلك الشيء.
فقال المتحدث: حسنا، انه حرف “كاف”.
قام رجل آخر من الشلّة واقفا وقال ملوحاً بيديه:
طيب، قبل ان ندوخ في العثور على بقية الحرف الأول الذي هو الكاف، نسأل، هل هو صغير أم كبير، هل هو للاستخدام الشخصي أو الاستخدام العام، أهو للأكل ام للزينة؟ هل يمكن شراؤه أم انه موجود مجانا في الحياة، هل هو طبيعي ام صناعي ام ان منه الطبيعي ومنه الصناعي، أعطنا لمحة في اجاباتك حتى لا يعجزنا هذا الحرف المحير؟
اعتدل الرجل المتحدث، وقد شعر بالفخر لأنه في دقائق جعل الشلّة كلها تعتبره مركز الاهتمام بإطلاقه ذلك التحليل الذي تحول الى حزورة، صعبة الحل:
جميع تلك الصفات فيه، ضحك رجل متربع على الكرسي وقال:
يا رجل هل يعقل أنّ مستوى الحديث بين رئيسين يصل الى هذا الحد، ومن اول لقاء؟
غضب المتحدث وهو ينظر باستنكار الى صديقه: عيب عليك، اين ذهب ظنك في هذا الشيء الذي يبدأ بحرف الكاف ويقوم عليه مستقبل البلد؟ كيف يكون تفكيرك محصورا بهذا الشكل؟
أجاب الرجل وهو يريد الدفاع عن نفسه:
ليس هو ظنّي لكن الصفات التي ذكرها اخونا قبل قليل هنا تنطبق على هذا الشيء. كما انّ جميع الحاضرين معنا ذهب ظنّهم مثل ظنّي فلماذا أنت غاضب منّي وحدي. أليس كذلك يا اخوان؟
ردّ الجميع بصوت واحد وعال وبأسلوب استدراجي استفزازي:
أجل، ظننا واحد جميعنا، وحزورتك انكشفت، فذلك الشيء هو، هو، هو….
قاطعهم المتحدث مستعطفهم ان يخفضوا أصواتهم، ولا يكونوا مفضوحين الى هذه الدرجة في المقهى أمام الناس:
دخيلكم لا تقولوها لا تقولوها، استسلمت لكم، وانعل أبو الذي يحزركم حزورة بعد الان: انه الكهرباء، الكهرباء.
فضحكت الشلّة كلها دفعة واحدة وقالوا: ونحن أيضاً أردنا ان نقول الكهرباء، فماذا كنت تتوقع أن نقول غير ذلك عن الشيء الذي يبدأ بالكاف؟