شخصيات من بلادي..عناد غزوان
شيخ النقاد في ذاكرة البورتريه العراقي
صالح رضا
حين أختار شخصية عراقية لأرسمها، لا أبحث عن الملامح وحدها، بل أبحث عن الأثر الذي تركه صاحبها في ذاكرة الوطن. ومن بين الشخصيات التي استوقفتني طويلًا، وجدتني أمام قامة أدبية وأكاديمية كبيرة، هو الأستاذ الدكتور عناد غزوان، أحد أبرز نقاد العراق والعالم العربي، وأحد الأسماء التي منحت الدرس الأدبي والنقدي هيبة العلم ووقار المعرفة.
وُلد الدكتور عناد غزوان في مدينة الديوانية، وأكمل دراسته الجامعية في بغداد، ثم نال شهادة الدكتوراه في الأدب العربي من جامعة درم البريطانية، ليعود إلى العراق أستاذًا وناقدًا وباحثًا، ويكرس حياته لخدمة الأدب والثقافة، مسهمًا في إعداد أجيال من الباحثين وطلبة الدراسات العليا في الجامعات العراقية. ولم يكن عناد غزوان ناقدًا عابرًا في الحياة الثقافية، بل كان مدرسة نقدية متكاملة، جمع بين أصالة التراث العربي والانفتاح على المناهج النقدية الحديثة، وتميزت كتاباته بالرصانة والعمق والمنهجية العلمية، حتى غدا واحدًا من أبرز رموز النقد الأدبي في العراق، واستحق عن جدارة لقب،، شيخ النقاد،،
ولم يقتصر عطاؤه على التدريس الجامعي، بل شغل مسؤوليات ثقافية وأكاديمية بارزة، فكان رئيسًا لاتحاد الأدباء والكتاب في العراق، كما تولى رئاسة تحرير مجلة،، المورد، وأسهم في إغناء الحركة الثقافية العراقية من خلال المؤتمرات والندوات والبحوث العلمية التي شارك فيها داخل العراق وخارجه، وكان حضوره الفكري موضع احترام وتقدير في الأوساط الأدبية العربية. وترك الراحل ثروة علمية كبيرة تجاوزت أربعين كتابًا وبحثًا في النقد والأدب والتحقيق والترجمة، أصبحت مراجع أساسية للباحثين وطلبة الدراسات العليا. ومن أبرز مؤلفاته: مكانة القصيدة العربية بين النقاد والرواة، والشعر والفكر المعاصر، وخمسة مداخل إلى النقد الأدبي، ونقد الشعر في العراق بين التأثرية والمنهجية»، وآفاق في الأدب والنقد، وأسفار في النقد والترجمة، وبناء القصيدة في شعر الشريف الرضي فضلًا عن عشرات البحوث والدراسات التي أثرت المكتبة العربية وأسهمت في ترسيخ مكانة النقد الأدبي العراقي.
وقد حظي غزوان بتقدير واسع في العراق والوطن العربي، ونال عددًا من الجوائز والتكريمات، وفي مقدمتها جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية في دولة الإمارات العربية المتحدة، وهي من أرفع الجوائز العربية، تقديرًا لعطائه العلمي والثقافي وإسهاماته الكبيرة في خدمة الأدب والنقد العربي.ورحل غزوان بعد مسيرة حافلة بالعطاء، لكنه ترك إرثًا علميًا ونقديًا سيبقى حاضرًا في الجامعات والمكتبات العربية، وستظل مؤلفاته من أهم المراجع التي يلجأ إليها الباحثون والدارسون.
ولم يكن اختياري للدكتور عناد غزوان ضمن مشروع «شخصيات من بلادي» اختيارًا عابرًا، بل جاء وفاءً لقامة عراقية كرّست حياتها لخدمة الأدب والنقد والثقافة. وقد تشرفت برسم بورتريه لشخصيته، إيمانًا مني بأن المبدعين الحقيقيين لا تحفظهم الكتب وحدها، بل تحفظهم أيضًا ريشة الفنان، لتبقى وجوههم حاضرة في ذاكرة الوطن، كما بقي أثرهم خالدًا في وجدان الثقافة العراقية.رحم الله الدكتور عناد غزوان، فقد عاش للعِلم، وترك للأجيال إرثًا فكريًا وثقافيًا سيظل منارةً لكل محب للأدب والنقد والمعرفة.