تجارب حية من الدول.. التقدّم ليس ما نملك بل كيف نتعلّم؟
أسامة أبو شعير
زعم قوم أن التقدم يسكن في باطن الأرض، فأخذوا يحفرون عن النفط. وزعم آخرون أنه يقيم في كثرة المال، فأكثروا من المال. وقال فريق ثالث إنه لا يعيش إلا بين اللوائح والأنظمة، فكتبوا من التعليمات ما لو وُزعت على أهل الأرض لكفتهم. ثم مضت الأعوام، فإذا دول لا تملك من ذلك إلا القليل قد سبقت الجميع. فعلمت أن التقدم لم يكن ساكناً في الأرض، ولا في الخزائن، ولا في الأدراج، بل في مكان أقل ضجيجاً وأكثر أثراً؛ في عقل المؤسسة حين تتعلم، وفي شجاعتها حين تعترف بأنها كانت مخطئة بالأمس.
ولعل هذا هو الدرس الذي تقدمه إستونيا. فقد خرجت عام 1991 دولة صغيرة محدودة الموارد، ثم أصبحت خلال ثلاثة عقود واحدة من أكثر دول العالم تقدماً في الحكومة الرقمية والخدمات الإلكترونية وريادة الأعمال. ولم يكن سر نجاحها أنها اكتشفت مورداً جديداً، بل أنها اختصرت الزمن بين اكتشاف المشكلة واتخاذ القرار، وبين القرار وتصحيح المسار. لقد جعلت التعلم عادة مؤسسية، لا استجابة مؤقتة للأزمات.
تعلم جديد
وهنا يعود السؤال الذي شغل أجيالاً من المفكرين العرب: لماذا تقدّموا… وتخلّفنا؟ وربما كان السؤال نفسه جزءاً من المشكلة؛ لأننا انشغلنا بما يملكون أكثر مما انشغلنا بكيفية عمل مؤسساتهم. فالتقدم ليس شيئاً يُقتنى، بل قدرة تُبنى، وثقافة تُمارس، ومؤسسات تتعلم أسرع من غيرها.
وللمرة الأولى في التاريخ، لا تتسابق الدول مع بعضها بعضاً فحسب، بل تتسابق مع سرعة التغير نفسها. فالتحدي لم يعد في فهم التحولات، بل في مواكبة إيقاعها. ولم تعد المعرفة تمنح الأفضلية إلا إذا تحولت بسرعة إلى قرار، ثم إلى تنفيذ، ثم إلى مراجعة وتعلم جديد. وكلما قصرت هذه الدورة، ازدادت قدرة الدولة على التكيف والمنافسة.
ولهذا يبين دارون أسيموغلو وجيمس روبنسون أن ازدهار الأمم يرتبط بمؤسسات شاملة تحمي سيادة القانون، وتكافئ الكفاءة، وتشجع المنافسة والابتكار، بينما تؤدي المؤسسات التي تحتكر السلطة والثروة إلى إضعاف الإنتاجية مهما كثرت الموارد. ويضيف دوغلاس نورث أن المؤسسات ليست المباني ولا الهياكل الإدارية، بل قواعد اللعبة التي تحدد كيف تُتخذ القرارات وكيف تُدار المصالح. لكن جودة هذه القواعد لا تكفي وحدها؛ فالمؤسسات التي لا تتعلم سرعان ما تتحول إلى هياكل جامدة، مهما كانت قوانينها متقنة.
ورأيت قوماً يظنون أن كثرة القوانين دليل حسن الإدارة، كما يظن بعض المرضى أن كثرة الأدوية دليل قرب الشفاء. ولو كان الأمر كذلك، لكانت أكثر الإدارات أوراقاً هي أكثرها نجاحاً. غير أن الإدارة الرشيدة لا تُقاس بعدد التعليمات، بل بقدرتها على تحويل التجربة إلى معرفة، والمعرفة إلى تحسين مستمر.
ومن أعجب ما رأيت أن الناس يمدحون الإصلاح ما دام بعيداً عن امتيازاتهم، فإذا اقترب منها صار عندهم مؤامرة. وليس لأن الإصلاح سيئ، بل لأنه يعيد ترتيب المصالح. ولهذا لا تُقاوم الإصلاحات دائماً لأنها خاطئة، بل لأنها تهدد من اعتادوا الاستفادة من الوضع القائم. فالإصلاح لا يفشل دائماً لأنه غير ممكن، وإنما لأن بعض الأنظمة تمتلك من وسائل الدفاع عن نفسها أكثر مما تمتلك من وسائل تطوير نفسها.
لكن كسر هذه الحلقة لا يتحقق بالشعارات أو بتغيير القيادات وحده، بل ببناء منظومة تجعل التعلم المؤسسي أسرع من مقاومة التغيير. ويبدأ ذلك بالشفافية، وربط الأداء بالنتائج، وتعزيز استقلال المؤسسات الرقابية، وتمكين التقييم المبني على الأدلة. فعندما تصبح البيانات أقوى من الانطباعات، والمساءلة أقوى من النفوذ، تصبح المؤسسة أكثر استعداداً للاعتراف بالخطأ وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. وفي منطقتنا العربية، تقدم دولة الإمارات مثالاً يستحق التأمل. فإلى جانب التحول الرقمي، اعتمدت مبادرات مثل مسرعات حكومة الإمارات التي جمعت فرقاً من جهات مختلفة لمعالجة تحديات محددة خلال مدد زمنية قصيرة، مع متابعة واضحة للنتائج وقياس أثرها. كما عززت منظومات التميز الحكومي واستخدام البيانات ثقافة التحسين المستمر. ولم تكن القيمة في سرعة الإنجاز وحدها، بل في تقصير الزمن بين اكتشاف المشكلة واختبار الحل وتطبيقه، وهو جوهر التعلم المؤسسي.
تفكير نقدي
ويبقى التعليم نقطة البداية في كل قصة نجاح. فنتائج برنامج PISA تؤكد أن الأنظمة التعليمية الأكثر نجاحاً لا تكافئ الحفظ بقدر ما تكافئ التفكير النقدي، وحل المشكلات، والقدرة على التعلم المستمر. فالمؤسسات لا تتعلم إلا إذا تعلم الأفراد داخلها، والأفراد لا يتعلمون إلا إذا كافأ النظام التعلم أكثر مما يكافئ الطاعة. ومن علّم الطفل أن السؤال وقاحة، فلا يندهشن إذا صار بعد سنوات مسؤولاً يرى كل سؤال تهديداً، وكل فكرة جديدة مخاطرة، وكل مراجعة للقرار انتقاصاً من الهيبة.
ولا يقتصر أثر التعلم المؤسسي على تحسين الأداء، بل يمتد إلى بناء القيادات نفسها. فالدول التي تتعلم باستمرار لا تنتج سياسات أفضل فحسب، بل تُنشئ نخباً أكثر قدرة على قيادة التغيير، لأنها تجعل الجدارة، والتقييم، والتعلم المستمر جزءاً من الثقافة المؤسسية، لا مبادرات مؤقتة. فالنخب لا تُولد خارج المؤسسات، بل تُصنع داخل مؤسسات تتعلم، وتراجع، وتجدد نفسها باستمرار.
ثم جاء الذكاء الاصطناعي، فظن بعض الناس أن شراء أحدث التقنيات يكفي لصناعة المستقبل. ولو كان الذكاء يُشترى بالأجهزة، لكانت المخازن أكثر الناس حكمة. فالذكاء الاصطناعي لا يسرّع اتخاذ القرار فحسب، بل يختصر الزمن بين البيانات والمعرفة، ويرفع سقف التوقعات من أداء المؤسسات. وهنا لا تنشأ فجوة تقنية فقط، بل فجوة زمنية بين من يتعلم بسرعة، ومن لا يزال يناقش ضرورة التعلم.
لكن كيف نعرف أن الدولة أصبحت تتعلم؟ عندما تتحول البيانات إلى قرارات في الوقت المناسب، وتُراجع السياسات في ضوء الأدلة، وتُكتشف الأخطاء مبكراً، وتنتقل الخبرات الناجحة من مؤسسة إلى أخرى. فالدولة المتعلّمة ليست التي لا تخطئ، بل التي لا تسمح للخطأ أن يتكرر بالطريقة نفسها.
ولعل السؤال الحقيقي لم يعد: لماذا تقدّموا وتخلّفنا؟ فهذا يشبه رجلاً رأى عدّاءً يسبقه بعشرات الأمتار، فسأله: من أين اشتريت حذاءك؟ ولم يخطر بباله أن يسأله: كيف تتدرب كل يوم؟ فالتقدم ليس مورداً يُستخرج، ولا شعاراً يُرفع، بل ثقافة تجعل التعلم ممارسة يومية، والاعتراف بالخطأ فضيلة مؤسسية، وتصحيح المسار مسؤولية مستمرة. فالدول التي ستقود المستقبل ليست الأكثر ثراءً، بل تلك التي تجعل سرعة التعلّم المؤسسي أعظم مواردها الاستراتيجية، ومنها تُولد النخب القادرة على تجديد الدولة وقيادة تنميتها.