الحفاظ على توازن الصين في الخليج
رحيم الشمري
على مدار معظم العقد الماضي ، بدا أن الصين قد حققت ما لم تحققه سوى قلة من القوى الخارجية في الشرق الأوسط ، ألا وهو بناء شراكات عميقة مع جهات إقليمية متنافسة في آن واحد ، فقد وسّعت بكين علاقاتها الاقتصادية في جميع أنحاء الخليج ، وأصبحت أكبر شريك تجاري لعدد من الدول العربية ، وعززت علاقتها الاستراتيجية مع إيران ، وتُوّجت طموحاتها الدبلوماسية بتسهيل التقارب السعودي الإيراني عام 2023 ، وأصبحت هذه القدرة على إشراك جميع الأطراف مع تجنب التورط في صراعات إقليمية تُعتبر سمة مميزة لنهج الصين تجاه غرب آسيا .
أن الأزمة الاخيرة بين امريكا وايران ، التي كان من المفترض أن تُظهر فوائد دبلوماسية الصين المتوازنة ، كشفت بدلاً من ذلك عن محدوديتها ، فقد سلّط التصعيد الأخير الذي شمل إيران وإسرائيل وعدداً من الدول العربية الضوء على معضلة لطالما كانت متأصلة في استراتيجية بكين الإقليمية ، وبينما يُمكن السعي إلى إقامة شراكات اقتصادية بالتزامن مع جهات متنافسة ، فإن الأزمات الأمنية تُجبر الحكومات حتماً على الكشف عن أولوياتها ، يتمثل التحدي الذي يواجه الصين في أن رغبتها في الحفاظ على علاقات مثمرة مع كل من طهران ودول الخليج العربي تتعارض بشكل متزايد مع التوقعات المصاحبة لنفوذها الإقليمي المتنامي ، ولطالما استفادت بكين من قدر من الغموض الاستراتيجي ، فعلى عكس الولايات المتحدة ، تجنبت الالتزامات الأمنية والتحالفات العسكرية والتكاليف السياسية المرتبطة بالقيادة الإقليمية .
أهمية اقتصادية
كان الافتراض الذي يقوم عليه هذا النهج ، أن الصين تستطيع أن تظل ذات أهمية اقتصادية لا غنى عنها مع الحفاظ على حيادها السياسي ، ومن الأسهل بكثير الحفاظ على هذا الموقف خلال فترات الاستقرار مقارنةً بفترات الصراع ، عندما تلتقي الشراكات الاقتصادية بالتوقعات الأمنية ، فإن القضية التي تواجه بكين اليوم ليست تآكل علاقاتها الاقتصادية مع الخليج ، فالتجارة بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي مستمرة في التوسع ، ولا تزال الشركات الصينية منخرطة بعمق في مشاريع البنية التحتية والتكنولوجيا في جميع أنحاء المنطقة ، كما أن رؤية السعودية 2030 لا تزال توفر فرصًا كبيرة لرأس المال والخبرة الصينية ، ولذلك تبقى أسس العلاقة متينة ، أما يبدو أقل وضوحًا فهو ما إذا كان الترابط الاقتصادي يترجم إلى ثقة استراتيجية .
ضبط النفس
أعربت عدة عواصم خليجية في صمت ، عن استيائها من رد الصين على الأزمات الأمنية الإقليمية ، فقد أكدت تصريحات بكين خلال التصعيدات الأخيرة باستمرار على ضبط النفس والحوار وخفض التصعيد ، وهي مواقف تتماشى مع توجهات الصين الدبلوماسية الراسخة.
إلا أنه من منظور الدول التي واجهت هجمات صاروخية وضربات بطائرات مسيرة وتهديدات أمنية مباشرة مرتبطة بإيران وشبكة شركائها ، فإن الدعوات إلى ضبط النفس لا تُعتبر بالضرورة محايدة ، بل غالباً ما تُفسر من خلال التساؤل عما إذا كانت الصين مستعدة للاعتراف علناً بمصدر تلك التهديدات ، وقد برز هذا التوتر بشكل خاص في المحافل متعددة الأطراف ، وعزز تردد الصين في دعم المبادرات التي تنتقد صراحةً تصرفات إيران، تصوراً ، لا سيما في بعض دوائر السياسة الخليجية ، بأن التزام بكين بالدبلوماسية المتوازنة يصبح متذبذباً بشكل متزايد عندما تكون طهران طرفاً في الأمر ، وسواء أكان هذا التصور عادلاً تماماً أم لا ، فإن أهميته تكمن في اكتسابه زخماً بين النخب الإقليمية التي سعت الصين جاهدةً لكسب ثقتها.
ولذلك ينبغي النظر إلى تأجيل قمة الصين والدول العربية في هذا السياق الأوسع ، على الرغم من أن عدم الاستقرار الإقليمي يُقدم تفسيراً منطقياً تماماً ، إلا أن هذه الحادثة قد شجعت أيضاً على إجراء نقاش داخل الأوساط الدبلوماسية حول ما إذا كانت التوقعات على جانبي العلاقة بدأت تتباين ، وتتوقع الدول العربية بشكل متزايد من قوة عظمى ذات نفوذ إقليمي متزايد .