أفريقيا .. خسرتْ بمنتخباتها وإنتصرتْ بأبنائها
محمد خضيرِ الأنباريِ
في كلِ نسخةٍ منْ كأسِ العالم، تكتبُ كرةْ القدمِ حكايات لا تشبهُ غيرها، وتنسجُ مفارقات تجعلُ منْ المستحيلِ مجرد لعبة، ومنْ بينِ أكثرِ المشاهدِ إثارةً للتأمل، ذلكَ الذي يتكررُ كلما واجهتْ المنتخباتُ الأفريقيةُ خصوما أوروبيينَ أوْ أمريكيينَ يضمونَ في صفوفهمْ لاعبينَ منْ أصولٍ أفريقية.
هنا يصبحُ السؤالُ أكبرَ منْ مجردِ نتيجةِ مباراة: منْ انتصرَ حق؟ ومنْ خسر؟
في النسخِ الأخيرةِ منْ البطولة، فقد ودعتْ عدةْ منتخباتٍ أفريقيةِ المنافساتِ في الأدوارِ الأولى أوْ الإقصائية، لكنَ المفارقةَ أنَ كثيرا ممنْ أسهموا في إقصائها كانوا أبناء القارةِ نفسها، ولد بعضهمْ في أوروبا، أوْ هاجروا إليها في سنٍ مبكرة، أوْ همْ أبناءٌ مهاجرونَ أفارقةٌ حملوا جنسياتٍ جديدة، فاختاروا تمثيل أوطانهمْ الجديدةِ وفقَ قوانينِ الاتحادِ الدوليِ لكرةِ القدم. يكفي أنْ نتأملَ تشكيلةَ منتخبِ فرنسا، لندرك حجمَ الحضورِ الأفريقيِ فيها، فالنجمُ (كيليانْ إمبابيّ) ، المنحدر منْ أصولٍ كاميرونيةٍ وجزائرية، أصبحَ أحدَ أبرزِ نجومِ العالم، ويبرزُ أيضا (أوريليان تشواميني ) ، ذا الأصولِ الكاميرونية، و (إبراهيما كلوناتي ) ، المنحدر منْ أصولٍ مالية، إضافةً إلى (عثمان ديمبيلي) ، الذي تعودُ جذورهُ إلى مالي وموريتانيا والسنغال، هؤلاءِ وغيرهمْ كتبوا فصولاً مشرقةً معَ المنتخبِ الفرنسي، وكانَ لبعضهمْ دور مؤثر في مبارياتٍ واجهتْ منتخبات أفريقية. أما منتخبُ البرتغال، فقدْ قدمَ أسماءً لامعةً منْ أصولٍ أفريقية، يتقدمهمْ( رافائيلْ لياو)، صاحبُ الأصولِ الأنغولية، و( نيلسون سيميرو)، المنحدر منْ الرأس الأخضر، إلى جانبٍ (نونو مينديزْ ) ، ذي الأصولِ منْ غينيا بيساو، وجميعهمْ يمثلونَ نموذجا لامتدادِ المواهبِ الأفريقيةِ خارجَ حدودِ القارة. وفي إسبانيا، برزَ (نيكو ويليامز ) ، المنحدر منْ أصولٍ غانية، وأخوهُ (إينياكي ويليامز) الذي اختارَ لاحقا تمثيل منتخبِ غانا، والنجمُ الأسبانيُ (مين يامال) الذي يجمعُ بينَ أصولٍ عربيةٍ (مغربية) وأصول إفريقية غينيا الاستوائية، معَ حملهِ الجنسية الإسبانية. في صورةٍ تجسدَ تعقيدُ الهويةِ الرياضيةِ والانتماءِ الوطني، كما ضمتْ سويسرا أسماءً مثل (بريل إمبولو ) ، المولود في الكاميرون، و( جبريل سو)، المنحدر منْ أصولٍ سنغالية، وكانَ لهؤلاءِ حضور مؤثر في المحافلِ الدولية. إنها ليستْ حكايةْ قارةٍ خسرتْ فقط، بلْ قصةْ قارةٍ صدرتْ للعالمِ كنزها الحقيقي، الإنسانُ الموهوب، فالملاعبُ الأوروبية، وكذلك الأمريكية والاسترالية والكندية، وحتى العربية، تعجُ بلاعبينَ، تعودُ جذورهمْ إلى السنغالِ ومالي والكاميرون وغانا ونيجيريا والكونغو وغينيا وساحلِ العاج، وغيرها منْ الدولِ الأفريقية، حتى أصبحَ تأثيرهمْ واضحا في أقوى المنتخباتِ والأندية.ورغمَ ما يتعرضُ لهُ بعضُ هؤلاءِ النجومِ منْ مواقفَ عنصريةٍ أوْ هتافات مؤسفة في بعضِ الملاعب، فإنهمْ يواصلونَ الردَ بالطريقةِ الأجمل؛ بالأهداف، والمهارة، والانتصارات، مثبتينَ أنَ الموهبةَ لا تعرفُ لونا، ولا حدودا، ولا شكَ أنَ اللاعبَ الأفريقيَ يمتلكُ خصائصَ جعلتهُ منْ أكثرِ اللاعبينَ تأثيرا في كرةِ القدمِ الحديثة؛ سرعة استثنائية، قوة بدنية، مرونة، مهارةٍ فردية، وشخصيةٍ تنافسيةٍ عالية. إن النجاحَ لا يختزلُ في الأصلِ أوْ العرق، بلْ هوَ ثمرةْ اجتماعِ الموهبةِ معَ التدريبِ المتطور، والانضباط، والبيئةِ الرياضيةِ الاحترافية التي تساعدُ اللاعبَ على الوصولِ إلى أعلى المستويات.
لذلك، يمكنُ القول: إنَ أفريقيا ربما لمْ ترفعْ الكأس بمنتخباتها الوطنيةِ في بعضِ النسخ، لكنها رفعتها رمزيا بأبنائها الذينَ أصبحوا نجوما في أكبرِ المنتخباتِ العالمية، إنها مفارقةٌ مؤلمةٌ وجميلةٌ في آنٍ واحد؛ مؤلمة؛ لأنَ الجماهيرَ الأفريقيةَ كانتْ تتمنى رؤيةَ الكأسِ بينَ أيدي منتخباتها، وجميلة؛ لأنَ بصمةَ أفريقيا بقيتْ حاضرة في كلِ مباراةٍ تقريبا، وفي كلِ منصةِ تتويج. لقدْ خسرتْ أفريقيا أحيانا بالأعلام، لكنها انتصرتْ بالمواهب. وخسرتْ بالقمصانِ الوطنية، لكنها ربحتْ باعترافِ العالمِ كله.
إنَ أبناءها همْ منْ أبرزِ صناعِ المتعةِ في كرةِ القدمِ الحديثة، وربما يأتي اليومَ، الذي تجتمعُ فيهِ هذهِ المواهبُ تحتَ رايةٍ أفريقيةٍ واحدة، لتكتبَ القارة فصلها الأجمل، وترفعُ كأس العالمِ باسمِ أوطانها، لا باسمِ أوطانٍ تبنتْ أبناءه.