ذروق الفأر وسرة الخاتون
علي السوداني
وهذا نبشٌ جديدٌ بسكراب الذاكرة صحبة مشروب غازي اسمه تراوبي معمول من عصير العنب الطيب ، وقد أدركتُهُ ببغداد منتصف السبعينات الجميلة ، وكنا أيامها نملك المطعم الوحيد بباب سينما بابل . وجدتُهُ بمصادفة حسنة هنا بعمّان فكرعتهُ بلهفة متصلة واحتفظت بالزجاجة كما لو أنها قارورة عطرٍ ثمين .
لم يكن الطعم كما هو لكن الشكل حافظ على خلقته الزجاجية التي ولد عليها أول مرة .
صار الطعام ذاكرة بطعم الحنين ولعبة جميلة من تطبيقات أحلام اليقظة والشوق الكاسر إلى الزقاق الأول والمدرسة وحتى الجندية القاسية التي أستعيدها الليلة وهي ترقص فوق قصعة الظهيرة ورمل البصرة وضحكات الجند الذين لا يدري واحدهم بأي أرضٍ سيموت !
بعد أن تحول الأكل إلى نصٍّ مفتوح صارت معه لفة الهمبركر منوعة وعالية وتشبه الباص الأحمر أبو طابقين ، ظل همبركر أبو يونان البغدادي الشهير هو الألذ والأرحم على البطن من دون غزوة إضافات حديثة مزعجة منها الجبن وأصناف كثيرة من الصاص والخردل والمايونيز فضلاً عن حجم المأكولة التي ستجبر ملتهمها على فتح فمه على مصراعيه ليصير فرجةً منفرة مزفوفة بالتمطيق ولطع الأصابع وشفط الخرير ! سيكون سطل اللبن والشربت والبلانكو والزبيب والتمر هندي ونومي البصرة أطيب من جيش العصائر الحديث . مثله وبباب الحلوى العتيقة ، سيهب الحنين وربما البكاء والنشيج على صينية العسلية بالطحين ونواعم ذروق الفار والبادم وصرة الخاتون والكركري وحلاوة الدبس والعلوجة ومصاصة الديك حتى لو كان المنظر المسترد مغطى بعشيرة ذباب طنّان !
أشعر بحزنٍ فتّاك .
قد يتبدل الأمر غداً .