الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين يتحول الأدب إلى مغامرة في قراءة الفن


حين يتحول الأدب إلى مغامرة في قراءة الفن

عصام البرّام

 

يُعد رولان بارت أحد أكثر المفكرين تأثيرًا في الفكر النقدي الحديث، فقد لم يكن ناقدًا أدبيًا بالمعنى التقليدي، ولا فيلسوفًا ينتمي إلى مدرسة مغلقة، بل كان عقلًا حرًا يعبر بين الفلسفة والأدب والفن واللغة، باحثًا عن المعنى في أكثر التفاصيل بساطة. لقد آمن بأن النص ليس كيانًا جامدًا، وأن الفن لا يكتمل بوجود الفنان وحده، وإنما يولد من جديد مع كل قارئ يقترب منه ويعيد اكتشافه. ولهذا استطاع أن يغيّر طريقة النظر إلى الأدب، وأن يجعل القراءة فعلًا إبداعيًا لا يقل أهمية عن الكتابة نفسها، حتى أصبح اسمه مرتبطًا بالتحولات الكبرى التي شهدها النقد الأدبي والفكر الثقافي في القرن العشرين.

الأدب بوصفه فضاءً مفتوحًا للمعنى

لم ينظر رولان بارت إلى الأدب باعتباره وعاءً يحمل رسالة واحدة ينبغي استخراجها، بل اعتبره فضاءً رحبًا تتداخل فيه الأصوات والرموز والإشارات. فالنص عنده لا يقدّم حقيقة نهائية، وإنما يفتح أبوابًا لا تنتهي أمام التأويل. ومن هنا جاءت دعوته الشهيرة إلى تحرير القراءة من سلطة المؤلف، وهي الدعوة التي عبّر عنها في مقاله المعروف "موت المؤلف"، حيث رأى أن الكاتب يفقد سلطته المطلقة بمجرد أن يكتمل النص، ليصبح القارئ شريكًا في إنتاج المعنى.

لم يكن هدف بارت إلغاء قيمة الكاتب، وإنما أراد أن يحرر النص من القراءة الأحادية التي تجعل نوايا المؤلف هي المرجع الوحيد للفهم. فالكلمات تمتلك حياة خاصة بها، وهي تتفاعل مع خبرات القراء المختلفة، ولذلك يختلف النص الواحد باختلاف من يقرأه. إن الأدب، في نظره، ليس رسالة مغلقة، بل تجربة إنسانية متجددة تتغير مع الزمن والثقافات والأفراد.

هذه الرؤية منحت الأدب طاقة جديدة، إذ أصبح النص مجالًا للحوار لا للإملاء، وللاكتشاف لا للتلقين. فالقارئ لم يعد متلقيًا سلبيًا، بل صار منتجًا للمعنى، يعيد تشكيل النص وفق خبرته وثقافته وحساسيته الجمالية. وهكذا تحولت القراءة إلى فعل إبداعي موازٍ للكتابة، وأصبح الأدب مساحة حرة يلتقي فيها الخيال بالفكر، واللغة بالحياة.

الفن بين اللغة والصورة

لم يقتصر اهتمام رولان بارت على الأدب وحده، بل امتد إلى الفنون البصرية والتصوير الفوتوغرافي والمسرح والسينما والإعلانات، لأنه كان يرى أن الثقافة بأكملها تُبنى من علامات ورموز تحتاج إلى قراءة. وقد تأثر في ذلك باللسانيات والسيميائيات، فحاول أن يكتشف الطريقة التي تنتج بها الصور معانيها كما تنتجها الكلمات.

في كتابه الشهير "الغرفة المضيئة" قدّم تأملًا فلسفيًا عميقًا في الصورة الفوتوغرافية، معتبرًا أنها ليست مجرد تسجيل للحظة، بل شهادة على الزمن نفسه. فالصورة تحمل أثر ما كان موجودًا ثم غاب، ولذلك تثير في النفس شعورًا معقدًا يجمع بين الحضور والغياب، وبين الذاكرة والفقد. لقد رأى أن الصورة تستطيع أن تخاطب الإنسان بطريقة تختلف عن اللغة، لأنها تلامس الجانب العاطفي والوجداني قبل أن تستثير العقل.

كما اهتم بارت بتحليل الثقافة اليومية، فلم يتعامل مع الإعلانات أو الموضة أو الرياضة بوصفها ظواهر هامشية، بل رأى فيها نصوصًا ثقافية مليئة بالدلالات. ففي كتابه "أسطوريات" كشف كيف تتحول الأشياء اليومية إلى رموز اجتماعية تحمل أفكارًا وقيمًا قد تبدو طبيعية، لكنها في الحقيقة نتاج تاريخ وثقافة وسلطة. وهكذا جعل النقد يمتد من الكتب إلى الحياة نفسها، ومن الرواية إلى تفاصيل العيش اليومي.

لقد كان الفن عند بارت لغة أخرى، لكنه لم يكن يبحث عن معنى ثابت داخل العمل الفني، وإنما عن شبكة العلاقات التي تجعل العمل قادرًا على إنتاج معانٍ متعددة. ولهذا ظل الفن بالنسبة إليه مساحة للحرية، لأن كل قراءة تضيف إليه حياة جديدة، وكل متلقٍ يكتشف فيه ما لم يكتشفه غيره.

فلسفة الحرية وجمال القراءة

تكمن فرادة رولان بارت في أنه لم يقدم فلسفة مغلقة، بل ترك أبواب التفكير مفتوحة أمام القارئ. لقد كان يؤمن بأن اللغة ليست أداة محايدة، وإنما قوة تشكل رؤيتنا للعالم، ولذلك ينبغي التعامل معها بحذر وإبداع في الوقت نفسه. فالكتابة ليست مجرد نقل للأفكار، وإنما هي خلق مستمر للعالم عبر الكلمات.

كان بارت يحتفي بما سماه "لذة النص"، وهي تلك المتعة الفكرية والجمالية التي يشعر بها القارئ عندما يدخل في حوار حي مع الكتاب. فالقراءة ليست عملية ميكانيكية لفهم المعاني، وإنما تجربة وجودية يعيش فيها الإنسان دهشة الاكتشاف ومتعة التأويل. وكلما ازداد النص ثراءً وتعقيدًا، ازدادت إمكانياته في منح القارئ لذة معرفية وجمالية.

ومن خلال هذه الرؤية استطاع أن يربط بين الأدب والفلسفة والفن دون أن يلغي خصوصية أي منها. فالأدب عنده يفكر، والفلسفة تتخيل، والفن يطرح الأسئلة، وجميعها تتلاقى في اللغة التي تمنح الإنسان القدرة على فهم نفسه والعالم من حوله.

لقد ترك رولان بارت أثرًا عميقًا في الدراسات الأدبية والثقافية، وما زالت أفكاره حاضرة في مناهج النقد المعاصر، لأنها لم تكن مرتبطة بمرحلة زمنية محددة، بل كانت دعوة دائمة إلى إعادة التفكير في علاقتنا بالنصوص والصور والمعاني. إن قيمته الحقيقية لا تكمن فقط في كتبه، بل في الطريقة الجديدة التي علمنا بها أن ننظر إلى الأدب والفن، بوصفهما فضاءين مفتوحين لاكتشاف الذات والآخر

إن التأمل في مشروع رولان بارت يكشف أنه لم يكن يسعى إلى هدم القيم الأدبية أو التشكيك في الفن بقدر ما كان يحاول تحريرهما من القيود التي فرضتها القراءات الجامدة. فقد رأى أن الإبداع الحقيقي يبدأ عندما يتحرر الإنسان من الأجوبة الجاهزة، ويجرؤ على طرح الأسئلة التي تعيد تشكيل علاقته بالعالم. ولذلك ظل يدعو إلى قراءة تتجاوز ظاهر النصوص، وتغوص في طبقاتها العميقة، حيث تتشابك اللغة مع التاريخ، والرمز مع الذاكرة، والخيال مع الواقع.

 ولم تكن هذه الرؤية مجرد منهج نقدي، بل كانت فلسفة للحياة نفسها، تؤمن بأن الإنسان لا يكتشف ذاته إلا عبر التأويل المستمر لما يحيط به من كلمات وصور وتجارب. ولعل سر بقاء أفكار بارت حية حتى اليوم يعود إلى قدرتها على التكيف مع تحولات العصر، إذ أصبحت وسائط الاتصال الحديثة والصور الرقمية والنصوص الإلكترونية تؤكد صحة رؤيته بأن المعنى لم يعد ثابتًا أو أحاديًا، بل أصبح يتولد باستمرار من تفاعل المتلقي مع العمل الإبداعي. وهكذا يبقى رولان بارت شاهدًا على أن الأدب والفن ليسا مجرد إنتاج ثقافي، بل هما رحلة إنسانية لا تنتهي، تفتح أمام العقل آفاقًا جديدة للتفكير، وتمنح الروح قدرة دائمة على التأمل واكتشاف الجمال في أكثر تفاصيل الحياة بساطة وعمقًا.

من هنا، يمكن القول إن فلسفة رولان بارت لم تكن بحثًا عن يقين نهائي، وإنما كانت احتفاءً دائمًا بالأسئلة. لقد آمن بأن المعنى يولد من الحوار، وأن النص لا يعيش إلا في عين قارئه، وأن الفن لا يكتمل إلا عندما يصبح تجربة إنسانية مشتركة. ولهذا بقي اسمه حاضرًا في الذاكرة الثقافية بوصفه مفكرًا جعل من القراءة مغامرة، ومن الأدب عالمًا لا تنتهي احتمالاته، ومن الفن لغة تتجاوز الحدود بين العقل والخيال، لتؤكد أن الإنسان لا يعيش بالكلمات وحدها، بل بالطريقة التي يمنح بها تلك الكلمات حياة جديدة في كل قراءة جديدة.

ealbarram@gmail.com


مشاهدات 90
الكاتب عصام البرّام
أضيف 2026/07/05 - 3:28 PM
آخر تحديث 2026/07/06 - 2:42 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 159 الشهر 5477 الكلي 15910604
الوقت الآن
الإثنين 2026/7/6 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير