الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حظيرة الثيران

بواسطة azzaman

هاشتاك الناس

حظيرة الثيران

ياس خضير البياتي  

 

هناك في ارض الله الواسعة، حيث تمتدُّ الأرض بلا ذاكرة، وتتعاقب الفصول دون أن تترك أثراً في العقول، قامت مزرعةٌ عجيبة تُعرف باسم «مزرعة الثيران الثُولين». لم تكن كغيرها من المزارع؛ فهناك لا تُربّى الثيران للحراثة أو جرِّ المحاريث، بل تُربّى للحكم وإدارة شؤون القطيع.

في وسط المزرعة انتصبت «الحظيرة الكبرى»، وهي منصة خشبية مرتفعة يُشاع بين الثيران أن من يعتلِها يتحول فوراً إلى حكيمٍ ملهم، وصاحب رؤيةٍ تاريخية لا يخطئ أبداً. وكان كل ثورٍ يحلم بالصعود إليها كما يحلم العجل الصغير بأول قبضةٍ من العلف.

غير أن الغريب في الأمر أن كل ثورٍ كان يصعد إلى الحظيرة، ينسى في اللحظة نفسها كل ما كان يقوله وهو في الأسفل. فالثور الذي كان يشكو الجوع مع القطيع، يتحول فجأة إلى خبيرٍ في فضائل الصيام. والذي كان يلعن احتكار العلف، يصبح بعد أسبوعٍ مالكاً لأكبر مخزنٍ للعلف في المزرعة.

وقف أحد الثيران يوماً يخطب بحماسة قائلاً:»أقسم بقروني العظيمة أن أجعل العلف متساوياً بين الجميع!»

فضجّت السهول بالتصفيق والخوار، حتى حسبت العصافير أن زلزالاً قد ضرب المكان. لكن ما إن استقر في الحظيرة الكبرى حتى أصدر أمراً عاجلاً بحفر مخازن سرية تحت الأرض، لا يدخلها إلا المقربون من أصحاب القرون المذهبة والذنوب اللامعة.

وكانت الثيران تتصارع باستمرار، لا على تحسين المزرعة أو زيادة العشب، بل على موقع الحظيرة نفسها. كل ثورٍ يزعم أنه «ثور المرحلة» و»الأصلاح»، وأن قرنيه وحدهما القادران على حماية القطيع من الذئاب المتربصة. والمفارقة أن الذئاب كانت تدخل المزرعة وتخرج منها عبر البوابة نفسها التي يتولى هؤلاء الثيران حراستها!

وكان للحظيرة فسادٌ من نوعٍ آخر، لا علاقة له بالعلف ولا بالمراعي، بل بسرقة ما لا يُسرق. فالثور الذي يتولى إدارتها لم يكن يكتفي باحتكار الشعير، بل احتكر حتى أصوات القطيع. فإذا أطلق أحد العجول صرخةً أو ابتكر القطيع هاشتاكاً يحتج فيه على الجوع، اختفى الهاشتاك في الليل، ليظهر صباحاً على صفحة الحظيرة ممهوراً باسم الثور الكبير، وكأنه صاحبه ومُلهمه. حتى الاحتجاجات أصبحت تُسرق، والغضب صار ملكيةً خاصة، أما الثيران فكانت تُصفّق للّص وهو يشرح لها بكل وقار فضائل الأمانة والنزاهة واحترام حقوق الآخرين!

أما العجول الصغيرة، فكانت تتلقى دروسها اليومية في مدرسة المزرعة. يلقنونها قصصاً بطولية لا تنتهي: كان هناك ثورٌ عظيم أنقذ المزرعة!، وكان هناك ثورٌ آخر ضحّى بأحد قرنيه من أجل القطيع!،وثورٌ ثالث رفض تناول العلف حتى يشبع الجميع!فتكبر العجول وهي تحلم بأبطال الأساطير، لكنها حين تنضج وتفتح أعينها جيداً، لا تجد سوى أكوامٍ من الروث، وسياجاتٍ متهالكة، ووعودٍ قديمة متخمرة منذ مواسم طويلة.

وذات يوم اندلع الصراع الكبير. اجتمعت الثيران في معركةٍ تاريخية. اصطدمت القرون بالقرون، وتطاير الغبار حتى حجبت الشمس، وتعالت الخُوارات حتى ظنت الدجاجات أن يوم القيامة قد اقترب. وبينما كانت المعركة في أوجها، سقطت الحظيرة الكبرى فجأة.

لم تسقط من قوة الضربات، ولا من ثقل الثيران، بل من ثقل الأكاذيب المتراكمة فوق ألواحها الخشبية. عندها تقدّم ثورٌ عجوز، كان يجلس دائماً في زاوية مهملة من المزرعة، وقال بصوتٍ خافت: «أيها السادة... نحن لا نحكم المزرعة... نحن نأكلها». ساد الصمت لثوانٍ. ثم انفجرت الثيران بالضحك.

اتهموه بالخرف والجنون والتشاؤم ونشر الإشاعات، وشكّلوا فوراً لجنةً عليا لدراسة أسباب ضحكه، ولجنةً فرعية للتحقيق في الجهات التي تقف وراء تصريحاته، ولجنةً ثالثة لتقييم الأضرار النفسية التي سببتها كلماته للثيران الوطنية.

ومع مرور السنوات، تغيّرت أسماء الثيران، وتبدّلت ألوان الرايات المعلّقة فوق الحظيرة، وتبدّلت الشعارات التي كانت تُكتب على جدران المزرعة، لكن شيئاً واحداً لم يتغيّر: العلف كان يقلّ كلما كثرت الخطب، والعشب كان يذبل كلما ازدادت الوعود اخضراراً.

أما القطيع، فقد صار خبيراً في التصفيق، محترفاً في الانتظار، يتوارث الأمل كما يتوارث الخيبة. وفي مساءٍ طويلٍ من أمسيات المزرعة، نظر عجلٌ صغير إلى أبيه وسأله ببراءة: «متى سنصبح وطناً“؟ فلم يجبه أحد. كان الجميع منشغلين بانتخاب ثورٍ جديد للحظيرة الكبرى.

وفجأة...استيقظ أحد السياسيين من نومه مذعوراً. كان يتصبب عرقاً، ويحدّق في الفراغ كأنه خرج تواً من حلمٍ ثقيل. نظر حوله فوجد مكتبه الفخم، وستائره المخملية، وأوراقه المختومة، وصورته المعلقة خلفه بحجمٍ يفوق حجم النافذة. تنفس الصعداء وقال:الحمد لله... مجرد حلم!

ثم تمتم مبتسماً: معقولة أنني كنتُ في حضيرة الثيران؟لكن قبل أن يكمل عبارته، سمع من بعيد أصواتاً جماعية تتردد كصدى قادم من جهة مجهولة: نريد وطناً... نريد وطناً...

صمت قليلاً. ارتبكت ملامحه. وكأن شيئاً ما في داخله كاد أن يستيقظ. لكن اليقظة كانت خطيرة، والتفكير مُرهق، والضمير يحتاج إلى صيانةٍ طويلة. لذلك ابتسم ابتسامةً باردة، أغلق النافذة، وأدار ظهره للأصوات...

ثم عاد بهدوء إلى حظيرة الثيران الكبرى.

yaaas@hotmail.com

 


مشاهدات 21
الكاتب ياس خضير البياتي  
أضيف 2026/06/28 - 2:39 PM
آخر تحديث 2026/06/29 - 2:59 AM

أخبار مشابهة
تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 167 الشهر 27562 الكلي 15903043
الوقت الآن
الإثنين 2026/6/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير