الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الفن ليس ضجيجاً

بواسطة azzaman

الفن ليس ضجيجاً

مشتاق الربيعي

 

يلاحظ المتابع للساحة الفنية العراقية أن جزءاً كبيراً من الأغاني التي يقدمها بعض فناني الجيل الحالي لا يرتقي إلى مستوى الإرث الغنائي العراقي العريق، سواء من ناحية الكلمة أو اللحن أو الأداء. فقد أصبحت الكثير من الأعمال متشابهة إلى حد كبير، حتى بات من الصعب أحياناً التمييز بينها، بينما يجري التركيز على المظاهر المصاحبة للأغنية أكثر من التركيز على مضمونها وقيمتها الفنية.

لقد عُرفت الأغنية العراقية عبر عقود طويلة بعمقها الإنساني وقدرتها على التعبير عن أفراح الناس وأحزانهم، وكانت مرآة حقيقية للمجتمع بكل تفاصيله. كما أنها استطاعت أن تتجاوز حدود العراق لتصل إلى مختلف الدول العربية، بفضل ما تمتعت به من أصالة وتميز على مستوى الشعر واللحن والأداء.

وعندما نستذكر أغاني سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، نجد أنها ما زالت حاضرة بقوة في ذاكرة المستمعين حتى يومنا هذا، لأنها قامت على أسس فنية راسخة، وقدمها فنانون كبار امتلكوا الموهبة والثقافة والخبرة واحترام الجمهور. لذلك بقيت تلك الأعمال خالدة تتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل، بينما اختفت العديد من الأغاني الحديثة بعد فترة قصيرة من انتشارها، لأنها افتقرت إلى عناصر البقاء والاستمرارية

ومن يمتلك أذناً موسيقية حقيقية وذائقة فنية واعية، سوف يلاحظ الفرق بين العمل الغنائي الذي يُبنى على أسس فنية رصينة، وبين الأعمال التي تعتمد على الانتشار السريع فقط. فالأذن الموسيقية تميز جودة اللحن، وقوة الأداء، وجمال الكلمة، ومدى قدرة الأغنية على البقاء في الذاكرة، وأنا على يقين بأن الكثير من محبي الفن الأصيل يشاركون هذا الرأي.

ولا يعني ذلك التقليل من جميع نتاجات الجيل الحالي، فهناك مواهب عراقية شابة تمتلك إمكانات مميزة وتقدم أعمالاً تستحق التقدير، إلا أن الساحة الفنية أصبحت مفتوحة بشكل كبير أمام من لا يمتلكون المقومات الفنية الكافية، الأمر الذي انعكس سلباً على الذائقة العامة وأدى إلى تراجع مستوى الكثير من الإنتاجات الغنائية.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى دور أكبر للمؤسسات والجهات المعنية بالشأن الثقافي والفني، من خلال دعم المواهب الحقيقية، وتشجيع الأعمال الهادفة، ووضع معايير مهنية واضحة تسهم في الارتقاء بالأغنية العراقية والحفاظ على هويتها الأصيلة، كما كان معمولاً به سابقاً من وجود ضوابط تضمن مستوى الإصدارات الفنية.

إن الحفاظ على الأغنية العراقية هو حفاظ على جزء مهم من تاريخ العراق الثقافي والحضاري، فهي ليست مجرد كلمات وألحان، بل ذاكرة وطن وهوية شعب وتراث أمة. ومن المؤسف أن تصبح الساحة الغنائية أحياناً مفتوحة لمن هب ودب، لذلك تقع مسؤولية كبيرة على الفنانين والجهات المختصة والجمهور في إعادة الاعتبار للأغنية العراقية الأصيلة، لتبقى منارة فنية تليق بتاريخ العراق ومكانته الثقافية.


مشاهدات 46
الكاتب مشتاق الربيعي
أضيف 2026/06/27 - 12:32 AM
آخر تحديث 2026/06/27 - 1:53 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 99 الشهر 25551 الكلي 15901032
الوقت الآن
السبت 2026/6/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير