الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حكاية الخمسين درهماً

بواسطة azzaman

حكاية الخمسين درهماً

فيصل عبدالحسن

 

مما رأيته وعشته في مدينة الدار البيضاء وأنا في أول شهور عملي كمراسل ثقافي لجريدة الزمان الدولية العام 1997 فيه ما هو غريب وغير مألوف وفيه ماهو لم نعرفه في العراق.

كان الزميل هارون محمد، الذي كان يدير القسم الثقافي في الجريدة الله يطيل عمره في لندن يطلب منا كمراسلين أخباراً ثقافية غير عادية أو لم تعتد الجرائد الثقافية نقله عادة من ريبورتاجات وحوارات واستطلاعات ثقافية، مما اضطرني إلى الذهاب بعيدا إلى ضواحي مدينة الدار البيضاء وهي مدينة صناعية كبرى، وتعتبر العاصمة الاقتصادية للمغرب ووقتها كان عدد نفوسها أكثر من ثمانية ملايين نسمة، وفي تلك السنوات كانت الأمطار قد شحت في ربوع المغرب، مما جعل الكثيرين من الشباب من أهل البادية المغربية يهجرون مناطقهم باتجاه المدن الكبرى، ومنها الدار البيضاء للعمل كأجراء لمساعدة عائلاتهم في البادية فجاءوا إلى المدن مع كلابهم وعاداتهم وأدواتهم البدائية.

فنِشأت تجمعات سكنية عشوائية هي الأكثر فقراً في المدينة، تضم العمال الوقتيين والفقراء النازحين من قراهم بحثا عن العمل، كان مقالي الذي كنت أنوي كتابته عن المواهب الشعرية والقصصية الشابة لدى أبناء هذه المناطق العشوائية.

ومما سهل مهمتي أن في المغرب لا تترك المواهب من دون رعاية بل تنشأ جمعيات ثقافية وفنية ترعى هذه المواهب، وتقيم لهم الأماسي الثقافية والفنية، بأبسط الإمكانيات المتوفرة، فتقام خيمة كبيرة لعمل تظاهرة ثقافية، ويعد مسرح مما يتوفر في المكان من متروكات الأخشاب والأثاث المستعمل،  والغريب أن كلابهم تشارك بذلك الاحتفال صحبة أصحابها؛ فبعضهم يستعملها كوسيلة للرزق بتأجيرها لحراسة السيارات أثناء الليل وهناك التقيت شاعرا شاباً يعمل إسكافيا ويلتقط رزقه بخيمة أعدها لعمله ومعيشته وشاعرا آخر يعمل في محل جزارة وقاصة تعمل خياطة ملابس، وممثلا يبيع الدجاج البلدي» الدجاج الذي يربى في البيوت « وشاعرة تعمل في بسطة لبيع الملابس المستعملة.

أتذكر ذلك اليوم الذي قابلت فيه هؤلاء الموهوبين، لقد كان يوم فرح حقيقي لي، فقد وجدت فيهم النقاء وجمال الأرواح، فالفقر يخلق في البعض هالة من الكبرياء والكرم والجمال يقل مثيلها عند غيرهم.

وأغرب ما عرض علي أحدهم قصيدة كتبها عن شيخ ضرير يسكن منطقتهم العشوائية، لقد كتب عنه ما يعجز عن التصديق إلا بالذهاب إليه ومشاهدته عيانياً، فقد كان هذا الشيخ الضرير، يساعد  الفقراء في الحي، فعندما لا يجد الفقير ما يشتريه لعائلته من طعام صباح ذلك اليوم فهو يقصد حجرة هذا الشيخ، فيشير له الشيخ حالما يشعر بخطواته المترددة إلى كوة صغيرة عند باب حجرته المتداعية، فما أن يمد ذلك المحتاج يده إلى الكوة، فيجد خمسين درهما ما يساوي «خمسة آلاف دينار عراقي» فيشير له أن يقضي حاجته بذلك المبلغ، وبعض أولئك في حالة يسرهم يعيدون المبلغ الذي استلفوه إلى الكوة، وبعضهم ينسى أن يفعل ذلك أو هو في حالة عسر دائمة.   

   وأكد لي الشاعر، أن ما قصده مضطر يوما إلا ووجد تلك الخمسين درهما في تلك الحفرة الصغيرة، وما خاب أحد أبداً قصده، أنها واحدة من القصائد التي كتبها شاعر مجد فيها الفقر، فالشعر ليس كلمات موزونة ومقفاة، وله وقع موسيقي، بل هو روح ولازمة إنسانية تحكي عن هالة السحر العجيب في عمل الخير، وبعث الجمال من أكثر الأمكنة فقراً والأكثر جمالاً أيضاً بناسه الكرماء.


مشاهدات 50
الكاتب فيصل عبدالحسن
أضيف 2026/06/27 - 1:46 AM
آخر تحديث 2026/06/27 - 3:00 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 162 الشهر 25614 الكلي 15901095
الوقت الآن
السبت 2026/6/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير