التفسير المدني للتوراة.. ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان
ليث شبر
تأتي هذه الحلقة ضمن مشروع التفسير المدني للنصوص التاريخية («المقدسة»)، وهو محاولة تنظر إلى هذه النصوص بوصفها تعبيرًا عن تجارب إنسانية عميقة، اكتسبت قدسيتها واستمرارها من قدرتها على ملامسة أسئلة الإنسان الكبرى عبر التاريخ. ولا تنطلق هذه القراءة من الجدل اللاهوتي أو الخلافات العقدية، بل من الإيمان بأن النصوص التي بقيت حية آلاف السنين لا بد أنها تحمل خبرات ومعاني تتجاوز حدود زمانها الأول.
ولعل هذه المحاولة تمثل – بحسب علمنا – واحدة من أوائل المحاولات العربية التي تسعى إلى قراءة التوراة والإنجيل والقرآن وغيرها من النصوص التاريخية («المقدسة») قراءة مدنية، ترتفع بها من دائرة الصراع والتعصب والانغلاق إلى فضاء الإنسان والمجتمع والدولة والعمران، حيث تصبح الحكمة ملكًا للبشرية كلها، ويصبح النص مصدرًا للتأمل في قوانين الحياة، لا مادةً للخصومات التي لم تنته منذ قرون.
حاجات مادية
وفي سفر التثنية ترد العبارة الشهيرة: «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل ما يخرج من فم الرب يحيا الإنسان». وهي عبارة انتقلت فيما بعد إلى التراث المسيحي، وبقيت حاضرة في الوعي الإنساني بوصفها تذكيرًا بأن الإنسان أكبر من حاجاته المادية، وأن الحياة لا تختزل بالرغيف، مهما كانت أهميته.
لكن القراءة المدنية للنص لا تنظر إلى «الخبز» بوصفه الطعام وحده، بل بوصفه رمزًا لكل ما هو مادي؛ المال، والمنصب، والثروة، والقوة، واللذة. فالإنسان قد يمتلك كل ذلك، ثم يعيش فراغًا داخليًا قاتلًا. وقد تكون الأمة غنية بالموارد، ثم تنهار لأنها فقدت المعنى والغاية والقيم التي تجعل الثروة وسيلة للبناء لا سببًا للصراع والتفكك.
ولهذا لم تنهض الحضارات الكبرى بالاقتصاد وحده، بل بالأفكار أيضًا. فالجامعات، والقوانين، والفلسفات، والأديان، والآداب، كلها كانت جزءًا من «ما يخرج من فم الرب» بالمعنى المدني الواسع؛ أي كل كلمة حق، وكل علم نافع، وكل قيمة عليا، وكل تشريع يرفع الإنسان من مستوى الغريزة إلى مستوى الرسالة. فالإنسان لا يعيش بما يأكل فقط، بل بما يؤمن به، وبما يحلم به، وبما يقدمه للآخرين.
ومن هنا يمكن فهم كثير من أزمات عصرنا. فالعالم لم يعانِ نقصًا في الخبز بقدر ما عانى نقصًا في الحكمة. وكثير من الدول الغنية فشلت لأنها ظنت أن التنمية أرقام وموازنات فقط، وكثير من الأفراد عاشوا في بحبوحة مادية بيد أنهم ماتوا وهم أحياء لأنهم فقدوا الحب والمعنى والهدف. فالخبز يمنح الجسد الطاقة، أما الفكرة فتعطي الحياة اتجاهها.
ولعل أخطر ما يواجه الأمم أن يتحول الإنسان فيها إلى مستهلك فقط، وأن يصبح السؤال الأكبر: كم نملك؟ بدلًا من: ماذا نريد أن نصنع؟ وعندما يموت المعنى، لا تكفي الثروات لإنقاذ المجتمعات. فالإنسان، كما فهمت التوراة قبل آلاف السنين، ليس معدة تمشي على قدمين، بل عقل وروح وضمير ورسالة. ولذلك لم يكن الخبز يومًا كافيًا، ولن يكون. فالأمم تبنى بالقمح، لكنها تستمر بالكلمة، وبالعلم، وبالعدل، وبكل ما يخرج من أفواه الحكماء والمصلحين والأنبياء.