الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
(أطراف الحديث) وزمن المعنى

بواسطة azzaman

(أطراف الحديث) وزمن المعنى

رافد حميد فرج

 

لم يكن ظهوره على الشاشة حدثًا عابرًا…بل كان أشبه بفتح نافذةٍ في جدارٍ اعتاد أن يكون صامتًا.في عالمٍ امتلأ بالأصوات العالية جاء صوته هادئًا إلى حدّ أنك تظن في البداية أنه بسيط ثم تكتشف بعد دقائق أنه يضعك أمام نفسك دون أن تشعر.

هكذا كان…وهكذا بقي الدكتور مجيد السامرائي لم يكن مقدم برنامج فحسب بل كان كمن يحمل مصباحًا صغيرًا ويمشي به داخل أرواح الآخرين لا ليكشفهم أمام الناس بل ليكشفهم أمام أنفسهم.

في (أطراف الحديث) لم يكن الضيف هو من يتكلم فقط بل كانت حياته كلّها تتكلم. يجلس أمامهم بهدوءٍ يشبه يقين العارف ويبدأ السؤال…ليس من الورق بل من شيءٍ أعمق…من تلك المنطقة التي لا تُرى. يعرف أن الحقيقة لا تأتي بالصوت المرتفع ولا تُنتزع بالإحراج بل تُستدرج…بالثقة.و ثقته غريبة تشبه صمت الأماكن المقدسةتشبه تلك اللحظة التي يقف فيها الإنسان وحده ولا يجد من يواجهه إلا نفسه.

وذات يوم…لم يكن في الاستوديو.لم تكن هناك كاميرات ولا أضواء ولا فريق إعداد.كان هناك طريق…وطريق فقط.طريقٌ يقوده إلى كربلاء لم تكن الزيارة عادية لم تكن رحلة إعلامي يبحث عن لقطة بل كانت شيئًا آخر…أعمق من أن يُقال.

حين اقترب من كربلاء لم يفكر بالبرنامج ولا بالأسئلة ولا حتى بالضيوف الذين مرّوا أمامه. فكر بشيءٍ واحد: ما الذي يبقى من الإنسان… عندما يسقط كل شيء...؟

دخل المدينة وكأن الزمن تغيّر فجأة.الخطوات أصبحت أبطأ والهواء أثقل…ليس ثقلًا يُتعب بل ثقلٌ يُوقظ.كان يمشي لكن داخله كان يقف. شيءٍ هناك كان يقول له:“هنا لا تتكلم… هنا تُفهم.”

عند العتبة…لم يكن هناك سؤال لأول مرة ذلك الرجل الذي عاش عمره يسأل…لم يجد ما يسأل عنه.كان الصمت كافيًا وقف وكأن كل الحوارات التي أجراها في حياته كانت مجرد تمهيد لهذه اللحظة.

لحظة أن يكون الإنسان بلا دور بلا مهنة بلا تعريف…فقط إنسان.لم ينظر حوله كثيرًا لأن الداخل كان أكثر ازدحامًا من الخارج.تذكّر وجوهًا مرّت عليه تذكّر أصواتًا تذكّر اعترافات.تذكّر دموعًا قيلت أمامه على استحياء…وفهم فجأة أن كل تلك الحوارات كانت طريقًا…وكانت تقوده إلى هنا.

جلس قليلًا… لا ليرتاح بل ليستوعب.استوعب أن السؤال الحقيقي ليس ما نطرحه على الآخرين بل ما نتهرب من طرحه على أنفسنا.واستوعب أن الحقيقة لا تحتاج كاميرا… بل تحتاج صدقًا.

حين خرج لم يكن كما دخل.لم يحمل شيئًا بيده لكن شيئًا ما تغيّر فيه.صار أكثر هدوءًا لكن ذلك الهدوء لم يكن فراغًا…بل امتلاء.صار يصغي أكثر لكن إصغاءه لم يكن مهنة… بل عبادة.. عاد إلى برنامجه لكن “أطراف الحديث” لم يعد كما كان.لم يتغير الشكل ولا الإخراج ولا حتى الأسئلة…لكن شيئًا خفيًا كان مختلفًا.صار السؤال أبطأ أعمق وأكثر صدقًا.صار ينظر إلى ضيوفه كما لو أنهم مرايا…لا شخصيات.وصار يبحث…ليس عن إجابة بل عن لحظة صدق.

ليس كل من يظهر على الشاشة يُرى وليس كل من يسأل يعرف وليس كل من يتكلم يقول. لكن هناك قلة…حين تتكلم تشعر أن الكلام يعبرك… لا يمر عليك.

مجيد السامرائي…واحد من هؤلاء.هو ليس مجرد إعلامي بل تجربة.ليس مجرد محاور بل مرآة.وليس مجرد صوت بل صمتٌ يتكلم.

أما كربلاء…فلم تكن محطة في حياته بل كانت نقطة تحوّل.هناك تعلم أن الحقيقة لا تُقال كاملة بل تُعاش.وتعلم أن الإنسان مهما عرف يبقى بحاجة إلى لحظة صدق تُعيده إلى نفسه.

وتعلم…أن أعظم الأسئلة هي تلك التي لا تُطرح ومنذ ذلك اليوم لم يعد يبحث عن إجابات كثيرة بل عن معنى واحد…أن يكون الإنسان صادقًا حتى في صمته. وهذا…هو زمن المعنى.

 

 

 

 


مشاهدات 33
الكاتب رافد حميد فرج
أضيف 2026/06/24 - 1:44 PM
آخر تحديث 2026/06/25 - 4:49 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 238 الشهر 23946 الكلي 15899427
الوقت الآن
الخميس 2026/6/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير