الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الثقافة العربية في زمن الوفرة وأزمة المعنى


الثقافة العربية في زمن الوفرة وأزمة المعنى

عادل الثامري

 

يصعب الحديث اليوم عن أزمة الثقافة العربية بالطريقة القديمة نفسها. لم يعد مقنعاً تفسير كل شيء بالرقابة، أو ضعف المؤسسات، أو تراجع القراءة، رغم أهمية هذه العوامل جميعاً. لقد حدث شيء آخر خلال العقود الأخيرة، شيء أقل ظهوراً وأكثر تأثيراً، تراكم على مهل حتى أصبح هو المشهد ذاته. لم يكن انتكاسة واحدة يمكن تأريخها، ولا قراراً اتخذه أحد. كان أشبه بتغير المناخ: لا تلاحظه يوماً بيوم، لكنك حين تلتفت إلى الوراء تجد أن شيئاً جوهرياً تبدّل. لقد فقدت الثقافة البيئة التي كانت تمنحها التماسك. 

يبدو المشهد مختلفاً اليوم. فالأصوات أكثر عدداً، والنشر أسهل من أي وقت مضى، والحدود الجغرافية فقدت كثيراً من معناها. كل المؤشرات تقول إن الثقافة تتمدد وتتسع.  ومع ذلك، يتسرب للمرء، وهو يتابع المشهد، شعور غريب لا تجد له تفسيراً سهلاً: أننا نملأ الفضاء ولا نسكنه. 

إن ما فقدته الثقافة العربية ليس الكتّاب ولا القراء بالضرورة، بل تلك المسافة التي كانت تفصل بين النص وخروجه للعالم. مسافة لم تكن ترفاً ولا بيروقراطية، بل كانت جزءاً من عملية التشكّل نفسها. كان الكتاب، في السابق، يمر بمسار طويل: قراءة ومراجعة ومناقشات واعتراضات، ثم استقرار نسبي داخل حقل معرفي معين. وفي هذا المسار لم يكن النص يُصقل فحسب، بل كان يجد موضعه — يعرف أين يقف ومن يخاطب وبأي نقاشات سابقة يتصل. أما الآن فغالباً ما يصل النص إلى الجمهور قبل أن يدخل هذا المسار أصلاً. الظهور أسرع، لكن زمن النضج أقصر. والفرق بين النصين — نص مرّ بالاحتكاك ونص لم يمر — ليس دائماً واضحاً للعيان، لكنه يظهر لاحقاً: في قدرة النص على الصمود، وفي أثره بعد أن تخفت ضجة صدوره.

لهذا لا تبدو المشكلة في كثرة الإنتاج. على العكس، نحن نعيش زمناً شديد الوفرة. تصدر كتب أكثر، وتقام فعاليات أكثر، ويظهر كتّاب جدد باستمرار. لكن هذه الوفرة لا تتحول دائماً إلى ذاكرة، وهذه هي المفارقة التي يصعب تفسيرها. في الماضي كانت الندرة مشكلة حقيقية — الكتاب الممنوع، والصوت المكبَّل، والنشر المحاصر. وكان المنطق يقول: لو فُتحت الأبواب لازدهرت الثقافة. فُتحت الأبواب، وتدفق الإنتاج، وما زال شيء ما ناقصاً. كثير مما يُنتج يعيش لحظته؛ يلمع سريعاً ثم يذوب، يُشار إليه ولا يبقى، ولا يدخل في تلك السلسلة الطويلة من التأثير والرد والتراكم التي هي، في النهاية، ما تصنع الثقافة فعلاً.

الأمر لا يتعلق بالفضاء الرقمي وحده، وإن كان قد عمّق الظاهرة وسرّعها. المسألة أقدم من ذلك، وأكثر صمتاً. فمنذ أواخر القرن العشرين بدأت المؤسسات الوسيطة تفقد مكانتها تدريجياً، ليس بقرار ولا بكارثة، بل بالتآكل البطيء الذي لا يُلاحَظ إلا حين يكون قد بلغ مداه. المجلات الثقافية لم تعد تؤدي الدور نفسه، الصحافة الفكرية تراجعت، الجامعة انشغلت بوظائف أخرى، واتحادات الكتّاب لم تعد تمتلك التأثير الذي امتلكته سابقاً.

لم تختفِ هذه المؤسسات تماماً، وهذا ما يجعل الأمر أكثر التباساً. فالمجلة ما زالت تصدر، والجامعة ما زالت تفتح أبوابها، والاتحاد ما زال يعقد اجتماعاته. لكنها باتت تشبه هياكل قائمة فقدت وظيفتها الأصلية: أن تكون المكان الذي يلتقي فيه المشهد بنفسه، ويتعرف على نفسه، ويتجادل مع نفسه. حين غاب هذا الدور لم تنهر الثقافة، لكنها تفككت إلى أصوات كثيرة لا يسمع بعضها بعضاً — جزر متجاورة، يفصل بينها ماء لا يراه أحد.

يمكن رؤية هذا التحول بوضوح في صورة المثقف نفسه. في الماضي كان حضوره يرتبط غالباً بمشروع واضح: اتجاه نقدي أو اشتغال لغوي أو رؤية فلسفية أو مساهمة جادة ومتواصلة داخل حقل معين. كان الاسم يأتي لاحقاً، بعد أن يكون العمل قد فرض نفسه وأثبت وجوده. وكان في هذا التأخر شيء مهم: نوع من الاختبار غير المعلن الذي يفرزه الزمن وليس لجان التحكيم.

أما اليوم فقد تنقلب المعادلة أحياناً: الاسم يسبق العمل، والحضور يسبق المشروع. تنتشر الشهرة قبل أن يترسخ ما تستحق الشهرة أن تُبنى عليه. وما يثير التأمل ليس أن هذا يحدث، بل أنه بات مساراً مقبولاً، بل مألوفاً. ليس لأن الكفاءة نقصت، فثمة أصوات جديدة حقيقية وموهبة لا شك فيها. لكن حين يتغير ترتيب الأشياء — حين يأتي الاعتراف قبل الاختبار — يتغير معه شيء في طبيعة ما يُعترف به.

كان الاعتراف الثقافي يستغرق وقتاً. ولم يكن هذا الوقت مجرد تأخير إداري أو ترف، بل كان جزءاً من الغربال الذي يفصل ما يبقى عمّا هو عابر. الفكرة كانت تمر عبر القراء والخصوم والمراجعات قبل أن تكتسب مكانتها — وفي كل محطة من هذه المحطات كانت إما تتعمق أو تتكشّف هشاشتها. لم يكن الزمن عدواً للفكرة الجيدة، بل كان حليفها الأصدق.

أما الآن فقد تقلّص هذا الوقت إلى حد كبير. والغربال حين يُفقد تختلط معه معايير الفرز كلها. ولعل هذا ما يفسر تلك الظاهرة التي باتت مألوفة: نصوص تحظى بانتشار واسع ثم تختفي كأنها لم تكن، في حين تظل أعمال أخرى محدودة التداول، صامتة على هامش المشهد، لكنها أكثر قدرة على البقاء. ان ما يُحتفى به اليوم ليس بالضرورة ما سيُقرأ بعد عشر سنوات.

ومع ذلك سيكون من الخطأ النظر إلى الماضي بوصفه زمناً ذهبياً قد ضاع. فالثقافة العربية لم تكن بريئة من المركزية، ولم تكن منفتحة دائماً على الجميع. بقيت كثير من الأصوات خارج المشهد، وكثير من المناطق لم تدخل الخريطة الثقافية إلا متأخرة ومتحفظ عليها. والحنين إلى تلك المرحلة، دون تمحيص، قد يكون في جوهره حنيناً إلى امتيازاتها لا إلى حيويتها.

لكن الإقرار بهذه العيوب لا يعني إغفال شيء آخر كان موجوداً: ساحة مشتركة، ولو كانت غير عادلة. مكان يلتقي فيه الناس، يتجادلون، يتعرفون على خصومهم قبل أن يردوا عليهم. هذا المكان هو الذي تراجع — لا الكمال الذي لم يكن موجوداً أصلاً.

صرنا نمتلك نشاطاً ثقافياً أكثر مما نمتلك حياة ثقافية. النشاط يمكن تنظيمه وتمويله وإدارته — وينتهي. أما الحياة الثقافية فشيء آخر تماماً: تحتاج ذاكرة تتراكم، واختلافاً لا يُغلق بنهاية الجلسة، ومؤسسات قادرة على الاحتفاظ بالنقاش بعد أن يتفرق الحضور ويُطفأ الميكروفون.

لهذا قد لا تكون الأزمة في ضعف المركز أو اختفائه، كما يقال كثيراً. الأزمة هي أننا لم ننتج بعد بديلاً عنه. ما زلنا نتحرك بين صورتين: صورة مألوفة فقدت شروطها، وأخرى لم تكتمل ملامحها بعد. نحن في تلك المساحة الرمادية بين نظام انتهى ونظام لم يبدأ — وهذه المساحة، على ما فيها من قلق، ليست بالضرورة مكاناً للعجز. ربما هي المكان الوحيد الذي يمكن فيه التفكير بجدية فيما نريد أن يأتي.

السؤال المطروح الآن ليس أين يوجد المركز، ولا من يملكه، بل كيف يمكن إعادة بناء المجال الثقافي نفسه. وهذا سؤال مختلف في طبيعته عن الأسئلة التي اعتدنا طرحها. أسئلتنا القديمة كانت تدور حول الحرية والمنع والوصول — وكانت إجاباتها، حين تتحقق، تعني شيئاً ملموساً. أما هذا السؤال فأصعب لأنه لا يواجه سلطة تمنع، بل يواجه فراغاً لا يحظره أحد.

لأن الثقافة لا تعيش بالأسماء وحدها، ولا بالمناسبات، ولا حتى بالكتب منفردة. انها تحتاج إلى شيء أكثر هشاشة وأصعب بناءً: فضاء يجعل الأفكار قادرة على الالتقاء والاختلاف والاستمرار. فضاء لا يكتفي بأن يعرض الأفكار بل يجعلها تتحاور — تتصادم أحياناً، وتتراكم دائماً. وحين يغيب هذا الفضاء لا تختفي الأفكار، لكنها تفقد قدرتها على أن تُولّد أفكاراً أخرى.

وربما هنا تكمن المفارقة الأهم في مشهدنا الثقافي اليوم: لم نعد نعاني من الندرة كما عانينا في مراحل سابقة. الندرة كانت عدواً واضحاً يمكن محاربته — كتاب ممنوع يمكن تهريبه، وصوت مكبَّل يمكن رفعه. أما ما نعانيه اليوم فأكثر غرابة: فائض لا ينتج اتجاهاً. كثرة لا تتحول إلى تراكم. ضجيج يشبه الصمت في أثره.

والمشكلة أن الفائض وحده لا ينتج المعنى تلقائياً، بل أحياناً يفعل العكس تماماً. يشتت الانتباه قبل أن يتركز، ويجزئ الذاكرة قبل أن تترسخ، ويجعل كل شيء متاحاً إلى الحد الذي لا يبقى فيه شيء ضرورياً. حين يصبح كل شيء في متناول اليد في كل وقت، يصعب أن تعرف ما الذي يستحق أن تتوقف عنده — وهذا الارتباك هو جزء من الأزمة نفسها.

لهذا كله، فإن المهمة ليست استعادة الماضي ولا الحنين إلى مركز كان له ما كان عليه. المهمة هي التفكير بجدية في الشروط التي تجعل التراكم ممكناً من جديد — شروط لا تُفرض من فوق، ولا تنبثق من تلقاء نفسها، بل تُبنى ببطء وبوعي وبإدراك أن الثقافة الحقيقية لا تُصنع في يوم واحد ولا تُقاس بما يحدث اليوم.

فالثقافة لا تقاس ما يُقال بما يقال اليوم، بل بما يبقى قابلاً للحوار بعد أن يخفت صوت قائله. وهذا النوع من البقاء لا تصنعه الأسماء ولا الفعاليات ولا حتى حسن النوايا. يصنعه فضاء مشترك يسمح للأفكار بأن تتقاتل وتتصالح وتورث بعضها بعضاً. وهذا الفضاء لن يعود من تلقاء نفسه — إن عاد فلأن ثمة من آمن بضرورته وعمل على بنائه، بصبر من يعرف أن ما يبنيه لن يكتمل في حياته.

 


مشاهدات 35
الكاتب عادل الثامري
أضيف 2026/05/19 - 4:08 PM
آخر تحديث 2026/05/20 - 12:43 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 57 الشهر 18568 الكلي 15863762
الوقت الآن
الأربعاء 2026/5/20 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير