الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
نيجيرفان بارزاني ورهان المصلحة الوطنية!

بواسطة azzaman

نيجيرفان بارزاني ورهان المصلحة الوطنية!

 

عطا شميراني

 

في السياسة، لا تُقاس أهمية الخطابات بعدد الكلمات التي تُقال، بل بقدرتها على ملامسة جوهر المشكلة وتقديم رؤية واقعية للخروج منها. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى كلمة رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني خلال حفل تخرج الضباط في أكاديمية قلاجولان العسكرية بمدينة السليمانية بوصفها أكثر من مجرد خطاب في مناسبة رسمية؛ إذ حملت في طياتها رسالة سياسية ووطنية تعكس طبيعة المرحلة التي يمر بها الإقليم، والتحديات التي تواجه مستقبله السياسي والمؤسساتي.

 

حين أكد الرئيس أن «المصلحة الوطنية يجب أن تكون أعلى من الحسابات الحزبية، وأن الخلافات يمكن أن تتحول إلى حلول، والأزمات إلى فرص، إذا توفرت الإرادة والشجاعة للسير في طريق التوافق»، فإنه لم يكن يطرح شعاراً سياسياً عابراً، بل كان يعبر عن حاجة حقيقية وملحة فرضتها ظروف الإقليم وتعقيدات المشهد الداخلي والإقليمي.

 

فكردستان تقف اليوم أمام مجموعة من التحديات المتداخلة؛ تحديات اقتصادية تتطلب استقراراً سياسياً، وتحديات دستورية تستوجب وحدة الموقف في التعامل مع بغداد، وتحديات أمنية وإقليمية تجعل من التنسيق الداخلي ضرورة استراتيجية لا يمكن الاستغناء عنها. وفي ظل هذه المعطيات، يصبح استمرار الخلافات السياسية واستنزاف الجهود في الصراعات الحزبية ترفاً لا تملكه أي تجربة سياسية تسعى إلى الحفاظ على مكتسباتها وتطويرها.

 

لقد أدرك نيجيرفان بارزاني، بحكم تجربته الطويلة في إدارة الملفات السياسية والعلاقات الداخلية والخارجية، أن قوة أي كيان سياسي لا تُقاس بحجم خلافاته، بل بقدرته على إدارة تلك الخلافات ضمن أطر مؤسساتية تحفظ الاستقرار وتمنع الانقسام. فالتعددية السياسية ظاهرة صحية في أي نظام ديمقراطي، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المنافسة إلى حالة من الاستقطاب الدائم، وعندما تصبح المصالح الحزبية مقدمة على المصالح الوطنية العليا.

 

ومن هنا جاءت أهمية الرسالة التي حملها خطاب قلاجولان. فالرئيس لم يدعُ إلى إلغاء التباينات السياسية أو تجاهل الاختلافات الفكرية بين القوى الكردستانية، بل دعا إلى إيجاد أرضية مشتركة تتيح إدارة هذه الاختلافات بطريقة تخدم المصلحة العامة وتحمي التجربة السياسية من التآكل الداخلي.

 

ولعل اختيار أكاديمية عسكرية لإطلاق هذه الرسالة يحمل دلالات رمزية عميقة. فالمؤسسة العسكرية تمثل في جوهرها فكرة الدولة الواحدة والإرادة الموحدة والانتماء الوطني الجامع. وهي المكان الذي يفترض أن تذوب فيه الانقسامات لصالح هدف أكبر هو حماية الوطن ومصالح مواطنيه. لذلك بدا الخطاب وكأنه دعوة للانتقال من منطق التنافس على النفوذ إلى منطق الشراكة في المسؤولية.

 

إن التجارب السياسية في مختلف أنحاء العالم تثبت أن الانقسامات الداخلية غالباً ما تكون أكثر خطورة من التحديات الخارجية. فالأزمات الخارجية يمكن مواجهتها بالتكاتف والوحدة، أما الانقسامات الداخلية فإنها تستنزف الطاقات وتضعف المؤسسات وتفقد الشعوب ثقتها بالنظام السياسي. ولهذا فإن الحفاظ على التماسك الداخلي لا يُعد خياراً سياسياً فحسب، بل يمثل شرطاً أساسياً لاستمرار أي تجربة ناجحة.

 

وعندما ننظر إلى مسيرة إقليم كردستان خلال العقود الماضية، نجد أن أبرز المحطات التي شهدت تقدماً سياسياً واقتصادياً ودبلوماسياً كانت تلك التي ترافقت مع قدر أكبر من التنسيق والتفاهم بين القوى السياسية الرئيسية. وفي المقابل، فإن فترات التوتر والانقسام كانت غالباً سبباً في إبطاء عجلة التنمية وإضعاف الموقف الكردي في القضايا المصيرية.

 

إن الرهان الذي يطرحه نيجيرفان بارزاني اليوم هو رهان على العقل السياسي، وعلى قدرة القوى الكردستانية على استيعاب طبيعة المتغيرات المحيطة بها. فالمنطقة تمر بمرحلة إعادة تشكيل للتوازنات السياسية والأمنية، والعراق نفسه يعيش تحولات متسارعة، الأمر الذي يجعل من الضروري أن يمتلك إقليم كردستان رؤية موحدة وموقفاً متماسكاً يحفظ مصالحه ويعزز مكانته.

 

وفي هذا السياق، فإن الشجاعة التي تحدث عنها الرئيس ليست شجاعة المواجهة أو التشدد في المواقف، بل شجاعة تقديم التنازلات المتبادلة عندما تقتضي المصلحة العامة ذلك. إنها شجاعة الاعتراف بأن لا أحد يستطيع إدارة المرحلة بمفرده، وأن نجاح أي طرف سياسي مرتبط في النهاية بنجاح التجربة الكردستانية ككل.

 

كما أن المصلحة الوطنية التي أشار إليها ليست مفهوماً مجرداً أو فضفاضاً، بل تتجسد في استقرار المؤسسات، وتعزيز سيادة القانون، وتطوير الاقتصاد، وتحسين الخدمات، وحماية وحدة الموقف السياسي، وترسيخ ثقة المواطنين بمؤسساتهم. فهذه هي المعايير الحقيقية التي تقاس بها نجاحات الحكومات والقيادات السياسية.

 

في المحصلة، لم يكن خطاب قلاجولان مجرد حديث في مناسبة عسكرية، بل كان محاولة لإعادة توجيه البوصلة نحو الأولويات الكبرى التي ينبغي أن تشغل الجميع. لقد وضع رئيس الإقليم أمام القوى السياسية معادلة واضحة: إما الاستمرار في دائرة الخلافات وما تفرزه من استنزاف للوقت والجهد والفرص، وإما الانتقال إلى مرحلة جديدة يكون عنوانها التوافق والعمل المشترك.

 

ويبقى نجاح هذه الرؤية مرهوناً بمدى استعداد القوى السياسية لترجمة الأقوال إلى أفعال، والشعارات إلى سياسات عملية. فالمصلحة الوطنية التي تحدث عنها نيجيرفان بارزاني ليست مسؤولية طرف واحد، بل مسؤولية جماعية تقع على عاتق الجميع.

 

وعندما ترتفع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الحزبية الضيقة، فإن الخلافات تتحول فعلاً إلى حلول، والأزمات إلى فرص، ويصبح المستقبل أكثر استقراراً ووضوحاً. أما إذا بقيت المصالح الخاصة تتقدم على المصلحة العامة، فإن الخاسر الأكبر لن يكون حزباً أو طرفاً سياسياً بعينه، بل كردستان بكل ما تمثله من تجربة وآمال وطموحات!

 


مشاهدات 63
الكاتب عطا شميراني
أضيف 2026/06/23 - 3:47 PM
آخر تحديث 2026/06/24 - 2:44 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 180 الشهر 22850 الكلي 15898331
الوقت الآن
الأربعاء 2026/6/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير