الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
نحو يسار موحد: خارطة طريق وآفاق عملية

بواسطة azzaman

نحو يسار موحد: خارطة طريق وآفاق عملية

دروس وتحديات بناء إطار يساري واسع

 

رزكار عقراوي

المدخل:

كتب هذا النص في شباط 2026 للنشر في دورية يسارية عراقية، غير أن تأخر النشر جاء بسبب الظروف الإقليمية المتقلبة التي تعصف بالمنطقة. وعلى الرغم من أن النص يتخذ من التجربة العراقية مدخلاً تحليلياً، فإن ما يطرحه يتجاوز الحالة العراقية وحدها، إذ تشترك كثير من دول الشرق الأوسط ودول الجنوب العالمي في وقائع متقاربة: حركات احتجاجية جماهيرية واسعة واجهت صعوبات جدية في التحول إلى قوة سياسية منظمة، ويسار أثبت حضوراً ميدانياً لافتاً في الشارع رغم تشتته، في حين تظل التحديات التنظيمية والانتخابية وضعف العمل المشترك قائمة وتستدعي المعالجة. العراق هنا نموذج للتأمل والاستفادة، والسؤال المطروح أوسع بكثير من حدوده الجغرافية.

وفي هذا السياق، تستحق التجربة المغربية الراهنة الإشارة والتأمل، إذ تقدم نموذجاً حياً ومتجدداً في مسار الحوار والعمل المشترك بين القوى اليسارية. فقد جاء تأسيس "تحالف اليسار" بين مجموعة من القوى اليسارية المغربية تتويجاً لمسار طويل من التنسيق والعمل المشترك، معبراً عن إرادة سياسية واضحة لتجاوز حالة التشتت التي عرفها اليسار خلال السنوات الأخيرة، ومستنداً إلى رصيد نضالي وتاريخي مشترك. وقد أكدت الأحزاب المشاركة أن طبيعة المرحلة وما تطرحه من تحديات سياسية وحقوقية واجتماعية تفرض تعزيز العمل الوحدوي، وإطلاق مبادرات مشتركة ونفَس نضالي موحد دفاعاً عن الحرية والكرامة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. وتدرك القوى المشكِلة لهذا التحالف أن المرحلة المقبلة تستوجب التجديد الفكري والسياسي وتطوير أساليب النضال، وصياغة برنامج عملي موحد يجيب عن أسئلة العمل والصحة والتعليم والسكن والعدالة وغيرها من متطلبات الجماهير الكادحة.

هذا النموذج المغربي، رغم خصوصية سياقه، يحمل دلالة رمزية ورفاقية مهمة لكل قوى اليسار في المنطقة: التوحد ممكن حين تتقدم الإرادة السياسية على حسابات الحزبية الضيقة. وفي هذا الإطار تحديداً، تجدر الإشارة إلى أن قوى وشخصيات يسارية عراقية عقدت قبل أيام اجتماعاً موسعاً، في خطوة تسير في الاتجاه ذاته، وتعبر عن إدراك متنامٍ بأن لحظة المراجعة والعمل المشترك والتوحد باتت ضرورة لا تحتمل التأجيل. التجربتان، المغربية والعراقية، وإن اختلفتا في سياقهما وأدواتهما، تلتقيان في جوهر واحد: الوحدة والإرادة الرفاقية المشتركة هي وحدها القادرة على تحويل الغضب الاجتماعي وعدالة القضية إلى قوة سياسية منظمة وفاعلة.

وتتناول هذه المساهمة تجربة اليسار العراقي والكردستاني، انخراطاً في الحوار الرفاقي الجاري حول إمكانيات بناء إطار يساري موحد قادر على استعادة دوره التاريخي وتجديد حضوره الفاعل.

 

السياق والإشكالية المحورية

ثمة جملة من النقاط التي تستحق النقاش المعمق، وتسهم في فهم الفجوة بين الزخم الجماهيري والتنظيمات اليسارية:

مسألة الحضور والتأثير: أسهم اليسار بفاعلية ملموسة في الساحات أفراداً وكوادر، وتبقى مسألة تطوير هذا الحضور نحو قوة سياسية موحدة ذات استراتيجية معلنة محوراً جديراً بالبحث والتداول.

إدارة الاختلاف الداخلي: الخلافات الداخلية بين تيارات اليسار، حين تدار خارج أطر جماعية بناءة واضحة، ويضخَم التركيز عليها في مقابل تقزيم نقاط الالتقاء الكثيرة، تفضي إلى استنزاف الطاقات في لحظات تستوجب التوحد والتنسيق.

تطوير الخطاب السياسي: واليات التنظيم: ثمة فرصة حقيقية لتطوير اليات التنظيم والخطاب اليساري كي ينطلق من المعاناة اليومية الملموسة للجماهير، بما يجعله أكثر اتصالاً بالواقع وأقدر على الإقناع والتأثير.

التنسيق الانتخابي: توزع اليسار على قوائم متعددة ببرامج متقاربة لم ينتج في الغالب التنوع الخلاق المأمول، وتعزيز التنسيق بين هذه القوى يظل ضرورة عملية ملحة.

بناء المنظمات الجماهيرية: النموذج السائد في بناء المنظمات الجماهيرية يستدعي مراجعة هادئة، إذ يبدو أن دعم النقابات والاتحادات المستقلة الحقيقية يوفر قاعدة أوسع وأكثر استدامة من نماذج "منظمات الواجهة" الحزبية.

تمكين الشباب والنساء: الدور المحوري الذي اضطلع به الشباب والنساء في الحركات الاحتجاجية يستوجب تعزيز تمثيلهم في هيئات القيادة اليسارية بما يعكس هذا الدور الفعلي.

الاستثمار في الفضاء الرقمي: المرحلة الراهنة تقدم فرصة سانحة لتطوير الأدوات الرقمية وتوظيفها بفاعلية في معارك الوعي والتواصل مع الأجيال الجديدة.

الأفق العملي المقترح

الحوار والعمل من أجل بناء إطار يساري موحد متعدد المنابر، يقوم على برنامج حد أدنى مشترك يخاطب الجماهير بلغتها اليومية، وبنية تنظيمية مرنة ولامركزية تحترم خصوصية كل مكون، وتمثيل فعلي للشباب والنساء في مواقع القرار، وسياسة رقمية فاعلة تواكب العصر، فضلاً عن ربط مستدام بين العمل الاحتجاجي والمشاركة الانتخابية والنضال النقابي والجماهيري اليومي. والاستفادة من تجارب عالمية من أميركا اللاتينية وأوروبا، تثبت أن الجمع الخلاق بين التوحد والشارع والتنظيم والصندوق هو ما أتاح لقوى يسارية في سياقات صعبة أن تحول الغضب الاجتماعي إلى تغيير سياسي فاعل.

يبقى التوحد في إطار يساري واسع الطريق الأجدى نحو استعادة الدور والتأثير، شريطة أن يقترن بتجديد فكري وتنظيمي عميق يستوعب التحولات الاجتماعية والتكنولوجية المتسارعة، ويستجيب لتطلعات الأجيال الجديدة، ويرسي اليسار فكرياً وتنظيمياً على أسس متجددة قادرة على مخاطبة أسئلة الحاضر وتحديات المستقبل.

 

مقدمة: الحركات الاحتجاجية والمطلبية وتحدي التحول، من الشارع إلى التنظيم

 

شهد العراق واقليم كردستان خلال العقدين الأخيرين موجات احتجاجية متعددة عبرت عن غضب جماهيري عميق ضد الفساد والمحاصصة وتدهور الخدمات. لكن انتفاضة تشرين 2019 شكلت اللحظة الأبرز والأكثر تأثيراً، إذ لم تكن مجرد موجة احتجاج عابرة، وانما تحولاً نوعياً في وعي قطاعات واسعة من المجتمع، خاصة الشباب، تجاه طبيعة السلطة وإمكانيات التغيير. لأول مرة منذ عقود، استعادت الشوارع والساحات دورها كفضاء سياسي حقيقي ومركز لإنتاج الخطاب والتنظيم والمبادرة.

خرجت الجماهير في هذه الاحتجاجات من موقع المتلقي السلبي إلى موقع الفاعل المباشر. كانت المطالب واضحة: الخبز، الكرامة، العدالة الاجتماعية، العمل، الخدمات، وإنهاء منظومة المحاصصة والفساد والاستبداد. مطالب نابعة من التجربة اليومية القاسية لجماهير دفعت ثمن عقود من الحروب والحصار والنهب المنظم. في قلب الاحتجاجات والمظاهرات، كان اليسار العراقي بكل تياراته حاضراً بشكل فاعل.

ومع كل هذه الاحتجاجات، وما رافقها من رفض واسع من قطاعات كبيرة من الجماهير للسلطات الحاكمة في بغداد واربيل، ومع نتائج انتخابات نوفمبر 2025 التي لم تحصل فيها القوائم اليسارية على اي مقعد برلماني، يبرز السؤال الجوهري بوصفه ضرورة سياسية لا يمكن تأجيلها: لماذا لم يتمكن اليسار، رغم عدالة خطابه وعمق حضوره في الشارع، من تحويل هذا الزخم الجماهيري الى قوة سياسية منظمة؟ ولماذا بقي عالقاً في الدفاع والانقسام، بدل الانتقال الى موقع المبادرة والتوحد؟

الإجابة لا تختزل بعوامل خارجية فقط، رغم أهميتها. نعم، النظام السياسي معادٍ للتغيير، قائم على المحاصصة الطائفية، محمي بالسلاح والميليشيات والمال السياسي، ومسنود بشبكات إقليمية ودولية. نعم، القمع كان دموياً وممنهج، واستهدف بشكل مباشر النشطاء والناشطات وقوى التغيير واليسار بشكل خاص. لكن هذا، على فداحته، لا يعفي اليسار من مسؤولية مراجعة أدواته وأشكال عمله ومنهجه في قراءة الواقع والتعامل معه.

الحركات الاحتجاجية والمطلبية كشفت إمكانات جماهيرية هائلة للتغيير الاجتماعي، لكنها كشفت أيضاً نقاط الضعف في البنى التنظيمية القائمة، والفجوة بين الخطاب اليساري كما ينتج داخل التنظيمات وبين وعي الجماهير كما يتشكل في الشارع. كشفت أن عدالة القضية وحدها لا تكفي إذا لم تقترن بأدوات تنظيمية مرنة ومعاصرة، وتوحيد للطاقات، وخطاب مفهوم، واستخدام فاعل للأدوات الرقمية، واستراتيجية واضحة تربط بين الاحتجاج والعمل السياسي والنضال اليومي في المجتمع.

هذه الورقة لا تسعى إلى تقديم أجوبة جاهزة أو وصفات سحرية، وإنما تحاول المشاركة في الحوار الجاري حول تجربة اليسار العراقي في تعامله مع آليتي التغيير الأساسيتين: الانتخابات والحركة الاحتجاجية، ومحاولة طرح أفق عمل والمساهمة في بناء استراتيجية يسارية قادرة على التجديد والتوحد واستعادة الثقة والتأثير والدور التاريخي.

 

أولاً: الحركات الاحتجاجية واليسار، فرصة تاريخية وتحديات تنظيمية

 

اليسار في قلب الحركات الاحتجاجية

 

لا يمكن قراءة الحركات الاحتجاجية والمطلبية التي شهدها العراق وإقليم كردستان خلال العقدين الأخيرين، بمعزل عن الدور الذي لعبه اليسار العراقي والكردستاني فيها. فبعيداً عن المبالغة أو التقليل، كان اليسار جزءاً فاعلاً من البنية الحقيقية لهذه الاحتجاجات. كان في الساحات منذ الأيام الأولى، شارك في التنظيم، وفي إدارة الفضاء الاحتجاجي، وفي الدفاع عن سلمية الحراك، وفي مواجهة محاولات الاختراق، سواء من قبل السلطة أو من قوى تريد حرف المسار.

في ساحات بغداد، والناصرية، والبصرة، والنجف، والديوانية، وأربيل والسليمانية ومدن أخرى، لعب اليسار دوراً مهماً في بناء أشكال تنظيم أفقي غير هرمية، اعتمدت المبادرة الذاتية والتنسيق اليومي والعمل التطوعي. ظهرت خبرة تراكمت عبر سنوات من النضال السري والعلني، في كيفية إدارة التظاهرات، وتنظيم الصفوف، والتعامل مع القمع، وصياغة الشعارات. كما كان لليسار حضور واضح في اللجان الإعلامية، في نقل صورة ما يجري، وفي كسر احتكار الرواية الرسمية، وفي ربط ما يحدث محلياً بسياقه الإقليمي والدولي.

لكن، ورغم هذا الحضور الكثيف والمؤثر عبر موجات الاحتجاج المتعاقبة، بقي اليسار حاضراً كأفراد وكوادر وناشطين، أكثر مما كان حاضراً كقوة سياسية منظمة موحدة ذات قيادة واضحة واستراتيجية معلنة. هذا التناقض بين الحضور الفعلي والضعف التنظيمي الموحد لم يكن تفصيلاً ثانوياً، وإنما شكل أحد مفاتيح الفهم الأساسية. فاليسار كان في قلب الحدث، لكنه لم يكن في موقع قيادته السياسية الشاملة، ولم يتمكن من تحويل حضوره الميداني إلى مرجعية تنظيمية قادرة على توحيد المسار، أو على الأقل طرح أفق تقدمي واضح له.

برأيي ان هذا الوضع لم يكن نتيجة صدفة، وإنما نتاج تراكم طويل من إشكاليات التنظيم، والتردد في التعامل مع أشكال الحراك الجديدة، والخوف من اتهامات الهيمنة أو الوصاية على الشارع. كثير من قوى اليسار فضلت البقاء في موقع الدعم الخلفي، أو الاندماج الكامل في الفعل الاحتجاجي دون إظهار هوية سياسية واضحة، اعتقاداً منها أن ذلك يحمي الاحتجاجات من التشويه، أو يحافظ على طابعها الجماهيري. لكن هذا الخيار، رغم نواياه الحسنة، قد ساهم عملياً في ترك فراغ سياسي وتنظيمي، سرعان ما ملأته قوى أخرى، أو تحول إلى حالة من التشتت واللاقرار.

 

2. لماذا لم يتحول زخم الحركات الاحتجاجية إلى قوة سياسية يسارية؟

 

إن السؤال المركزي الذي يفرض نفسه هنا هو: لماذا لم يتمكن اليسار من تحويل هذا الزخم الهائل وهذه التضحيات الجسيمة عبر موجات الاحتجاج المتعاقبة إلى قوة سياسية منظمة قادرة على الاستمرار والتأثير؟ لماذا ضعفت الحركات الاحتجاجية على مستوى النتائج السياسية دون أن تنتج إطاراً يسارياً أو تقدمياً موحداً، أو حتى قوة انتخابية قادرة على اختراق المشهد؟

دخل اليسار العراقي والكردستاني الحركات الاحتجاجية وهو يحمل في داخله انقسامات عميقة وغير محسومة حول طبيعة الحراك نفسه وآلياته. هذه الانقسامات لم تظهر فجأة، لكنها انفجرت بوضوح في سياق هذه الاحتجاجات. الخلاف لم يكن فقط حول التكتيك، وإنما حول الرؤية الاستراتيجية للحراك ذاته. هل يجب الاستمرار في الاحتجاج حتى إسقاط النظام؟ أم الانتقال تدريجياً نحو أشكال تنظيمية أكثر استقراراً؟ وما هي العلاقة بين الساحات والتنظيمات القائمة؟

من خلال متابعاتي لاحظت ثلاثة اتجاهات داخل اليسار. اتجاه رأى ضرورة تحويل زخم الاحتجاج إلى بنية تنظيمية مستدامة، قادرة على حماية المكتسبات والاستمرار بالنضال والمشاركة من خلالها في الانتخابات. اتجاه آخر دعا إلى البقاء في الشارع حتى تحقيق التغيير الجذري، معتبراً أن أي انتقال مبكر نحو التنظيم قد يفرغ الحراك من مضمونه الثوري. واتجاه ثالث تردد بين الخيارين، دون حسم واضح، ما أدى إلى خطاب ملتبس، ومواقف متغيرة، وفقدان البوصلة.

هذا الانقسام لم يدَر بوصفه اختلافاً صحياً داخل إطار موحد، وإنما تحول إلى صراع علني استنزف طاقات كبيرة، وخلق حالة من الارتباك لدى الجماهير المحتجة.

عدم القدرة على بناء تحالفات اجتماعية واسعة

من أبرز نقاط الضعف في تجربة اليسار خلال الحركات الاحتجاجية، وفي تشرين كمثل مهم وحي، عدم قدرته على بناء تحالفات اجتماعية واسعة ومستقرة. صحيح أن الحراك كان متنوعاً بطبيعته، وضم فئات مختلفة، لكن هذا التنوع لم يتحول إلى تحالف منظم. اليسار لم ينجح في مد جسور دائمة وقوية مع الحركات الجماهيرية والمدنية المستقلة، ولا مع النقابات العمالية و المهنية، ولا مع قطاعات اجتماعية واسعة مثل النساء، والعاطلات والعاطلين عن العمل، وسكان الأحياء الفقيرة، والطلبة.

كان لطبيعة الحراك ذاتها دور في هذه الصعوبة. فقد سادت في ساحات الاحتجاج نظرة "اللاتحزب" بقوة، حيث تحفظ كثير من المحتجين والمحتجات من العمل السياسي الحزبي بأشكاله كافة، نتيجة تجارب سلبية متراكمة مع الأحزاب التقليدية. هذا الموقف، وإن كان مفهوماً في سياقه، خلق حاجزاً نفسياً أمام أي محاولة لبناء أطر تنظيمية، حتى لو كانت مستقلة ومرنة. اليسار لم يتمكن من تقديم نموذج تنظيمي بديل يكسر هذا التحفظ، ويقنع المحتجين بأن التنظيم ليس بالضرورة هيمنة حزبية، وإنما أداة ضرورية لحماية الحراك واستدامته.

جزء من هذه النتائج يعود إلى القمع والقيود المفروضة، لكن جزءاً آخر يعود إلى ضعف العمل القاعدي طويل النفس، وإلى الميل للاكتفاء بالحضور في لحظة الانفجار، دون بناء تنظيم مستدام قبلها وبعدها. على عكس تجارب عالمية عديدة، حيث شكلت النقابات والحركات الاجتماعية العمود الفقري للتحالفات اليسارية، بقيت هذه القوى في العراق إما محاصرة، أو مهمشة وضعيفة، أو خارج الحسابات الفعلية.

النتيجة أن الحركات الاحتجاجية والمطلبية، رغم عظمتها، بقيت إلى حد كبير حركة بلا امتداد تنظيمي موحد على صعيد البلد، وبلا ذراع قادر على حمايتها، واستثمار زخمها، والدفاع عن مكتسباتها. وهذا ما سهل على السلطات، مع مرور الوقت، تفكيكها بالقمع، والاغتيالات، والاختراقات، والارهاق النفسي والاجتماعي، وإعادة ترتيب أوراقها.

 

3. هل يمكن للحركة الاحتجاجية وحدها أن تحقق التغيير؟

 

التجارب التاريخية تؤكد أن الاحتجاج شرط ضروري للتغيير، لكنه غير كافٍ. الاحتجاج يفتح النافذة، لكنه لا يضمن عبور الضوء. بدون تنظيم سياسي قادر على استثمار اللحظة، تتحول الاحتجاجات إما إلى انفجارات متكررة بلا نتائج، أو إلى حركات يتم احتواؤها أو قمعها.

في الربيع العربي، سقطت أنظمة واهتزت سلطويات راسخة، لكن غياب البديل المنظم حول لحظة الشارع إلى فراغ سياسي، ففتحت الطريق أمام الفوضى أو عودة الاستبداد بصيغ جديدة. المشكلة لم تكن في الجماهير، بل في ترك الانتفاضات بلا أفق طبقي وتنظيمي. في المغرب، كشفت انتفاضة جيل Z في المغرب 2025 هذا التناقض، جيل احتج على الغلاء والتهميش مستخدماً أدوات رقمية وخطاباً اجتماعياً مباشراً، لكنه اصطدم بحدود الفعل غير المؤطر سياسياً، فتم تفريغ الغضب دون تحول بنيوي. في أميركا اللاتينية، نجحت الحركات حين جمعت بين الشارع وصناديق الاقتراع، وحافظت على الضغط الجماهيري والتنظيم القاعدي. في أوروبا، خرجت أشكال تنظيم جديدة من رحم الاحتجاجات، أعادت تعريف العلاقة بين الشارع والمؤسسات، وخلقت توازنات جديدة داخل النظام القائم. هذه التجارب تؤكد أن الاحتجاج وحده لحظة ناقصة ما لم يتحول إلى قوة منظمة ذات أفق اجتماعي تحرري.

الدرس واضح من التجربة العراقية والتجارب الإقليمية والعالمية: الاحتجاج يخلق الفرصة، لكن التنظيم السياسي هو من يحولها إلى تغيير فاعل ومؤثر وجذري.

 

ثانياً: الانتخابات كآلية للتغيير، قراءة في التجربة

قراءة نقدية في نتائج انتخابات 2025

 

لم يكن عدم حصول القوائم اليسارية والتقدمية على أي مقعد برلماني في انتخابات نوفمبر 2025 مجرد نتيجة انتخابية سلبية، وإنما كان تعبيراً مكثفاً عن إشكاليات بنيوية تتطلب المعالجة في العلاقة بين اليسار والمجتمع، وفي أدوات العمل السياسي المستخدمة. هذه النتيجة لا يمكن تفسيرها فقط بالقانون الانتخابي المجحف، ولا بسيادة المال السياسي، ولا بالتزوير والتلاعب، رغم أن كل هذه العوامل حقيقية ومؤثرة جدا. ما حدث هو نتيجة تفاعل هذه العوامل مع إشكاليات تنظيمية داخلية، لم يتمكن اليسار من خلاله تحويل عدالة مشروعه إلى خيار جماهيري مقنع.

 

إشكاليات الموارد

الاهم كان الفارق الهائل في الموارد والإمكانيات. فمقابل الإمكانيات المحدودة جداً لليسار، كانت القوى المتنفذة تمتلك موارد مالية ضخمة، وماكينات انتخابية متطورة، وشبكات واسعة من المحسوبية والمنافع. ضعف التمويل لدى اليسار، وضعف البنية التحتية الانتخابية من مكاتب محلية ومندوبين وحملات إعلامية وميدانية منظمة، جعل المنافسة غير متكافئة إلى حد بعيد. في مواجهة قوى تمتلك المال السياسي والنفوذ الإداري والإعلامي، بدت الإمكانيات اليسارية المتواضعة عاجزة عن خلق توازن حقيقي في المعركة الانتخابية.

هذا الواقع ساهم في استمرار الحضور الهامشي لليسار مقارنة بالقوى المتنفذة، وأضعف العملية الانتخابية ذاتها، وعزز الشعور بالعجز حتى لدى المؤيدين والمؤيدات أنفسهم.

 

تحديات الخطاب والتواصل: من النظرية إلى الواقع

كانت تحديات الخطاب والتواصل واضحة وكاشفة. استمر الخطاب الانتخابي لقوى اليسار في معظم الاحيان في استخدام لغة نظرية نخبوية، غير متجذرة في الواقع اليومي الملموس للجماهير. بدت كثير من البرامج الانتخابية أقرب إلى بيانات فكرية مطولة منها إلى خطط عمل سياسية واضحة. لكن المشكلة الأعمق لم تكن في اللغة فحسب، وإنما في المنهج نفسه: الانطلاق من النظريات نحو الواقع، بدلاً من الانطلاق من الواقع الملموس نحو فهمه وتغييره. فبدلاً من الاستماع لمعاناة الناس اليومية وبناء البرنامج انطلاقاً منها، جاءت البرامج محملة بتصورات جاهزة عما "يجب" أن يكون، دون اعتبار كافٍ لما هو ممكن في ظل موازين القوى الطبقية والسياسية القائمة.

لم يتم تبسيط الرسالة، ولم تترجَم الشعارات الكبرى إلى إجابات مباشرة على أسئلة الناس اليومية حول العمل، والراتب، والكهرباء، والصحة، والتعليم، والسكن. والأخطر من ذلك أن اليسار استمر في طرح "الحلول المطلوبة"، دون تقديم "الحلول الممكنة" العملية والتدريجية التي يمكن تحقيقها في المدى القريب. فالجماهير لا تبحث فقط عن رؤية مثالية للمستقبل، وإنما عن خطوات واضحة قابلة للتطبيق تحسن حياتها اليوم، وتمنحها الأمل بأن التغيير ممكن فعلاً. في سوق سياسي يعتمد على الصورة والرسالة السريعة والتواصل المباشر، بدا اليسار وكأنه يخاطب نفسه أو يخاطب تياراً يسارياً آخر يختلف معه، أكثر مما يخاطب شغيلات وشغيلة اليد والفكر بلغتهم البسيطة وبحلول تلامس واقعهم المعاش.

التشتت والارتباك: مظاهر الأزمة في انتخابات 2025

في انتخابات 2025، لم يكن الفشل ناتجاً فقط عن ضعف الأصوات، وإنما عن تشتتها وعن حالة التشوش التي رافقت المشهد اليساري. قاطع جزء من اليسار الانتخابات، وهو خيار مفهوم في ظل فقدان الثقة بالعملية السياسية وحدودها، لكنه عملياً ساهم في زيادة الارتباك الجماهيري بدلاً من أن يتحول إلى موقف تعبوي منظم.

 لكن التشوش لم يأتِ من الخارج فقط؛ فحتى داخل الأحزاب اليسارية المشاركة نفسها، قاطعت نسبة كبيرة من أعضائها وعضواتها الانتخابات، ما عكس عمق الأزمة التنظيمية والسياسية وفجوة الثقة بين القواعد والقيادات. في المقابل، القوى اليسارية المشاركة كانت موزعة على قوائم متعددة، ببرامج متقاربة وخطابات متشابهة. هذا التشتت لم ينتج تنوعاً خلاقاً، وإنما ارباكاً جماهيرياً. فالجماهير لا تبحث عن تعدد صيغ متشابهة للمشروع اليساري، وإنما عن بديل واحد واضح يمكن الوثوق به وفهمه والدفاع عنه. وحين تقدَم لها نسخ متعددة من المشروع نفسه دون إطار جامع أو أفق مشترك، تتحول العدالة ذاتها من وعد تحرري إلى مصدر ارتباك.

 

فجوة الثقة الجماهيرية

أما فجوة الثقة الجماهيرية، فهي الأكثر خطورة. الجماهير لم تصوت لخصوم اليسار بالضرورة، لكنها في الغالب لم تر في اليسار بديلاً واضحاً ومتماسكاً. كثير من الناس شاركوا في الاحتجاجات الجماهيرية، وقدموا تضحيات جسيمة، لكنهم لم يجدوا في الانتخابات تعبيراً سياسياً عن تلك التجربة. لم يجدوا من يقول لهم بوضوح: نحن امتداد لذلك، وهذه هي خطتنا، وهذه هي أولوياتنا، وهذه هي أدواتنا.

يضاف إلى ذلك أن مشاركة بعض القوى اليسارية في حكومات ما بعد 2003، رغم محدودية تأثيرها الفعلي في صنع القرار، خلقت لدى قطاعات من الجماهير انطباعاً بارتباط جزء من اليسار بالمنظومة السياسية القائمة. هذا الانطباع، وإن كان لا يعكس حقيقة الدور الفعلي أو النوايا، ساهم في إضعاف صورة اليسار كبديل جذري معارض خارج السلطة. الجماهير المحتجة، التي خرجت ضد المنظومة بأكملها، كانت تبحث عن قوة سياسية لا لبس في موقعها من السلطة، قوة لم تتلوث بأي شكل من أشكال المشاركة في نظام المحاصصة والفشل الحكومي المتراكم. هذا الفراغ لم يملأه أحد، فبقيت صناديق الاقتراع شبه خالية من الصوت اليساري.

 

التحدي الرقمي والضعف في استثمار الثورة التكنولوجية

ربما كانت إحدى أخطر نقاط الضعف في التجربة الانتخابية لليسار في العراق واقليم كردستان هي لم يستثمر في الثورة الرقمية واستخدامها بفعالية. في عصر تدار فيه جزء كبير من المعارك السياسية عبر الفضاءات الرقمية، وتصاغ فيه الرأي العام من خلال المنصات الاجتماعية، بقي اليسار يعمل بأدوات تقليدية تحتاج تطوير. صحيح أن بعض القوى اليسارية امتلكت مواقع الكترونية وحسابات على وسائل التواصل، لكن الحضور الرقمي لم يكن فاعلا بالمستوى المطلوب، ولا منظماً، ولا قادراً على المنافسة. لم تبنَ فرق محتوى متخصصة، ولا أدوات لتحليل التفاعل وقياس الأثر، ولا خطط لمواجهة الحملات المضادة أو التشويه الممنهج. في الوقت الذي كانت فيه القوى المنافسة تستثمر بشكل فاعل في الإعلانات الموجهة، والبيانات الضخمة، وتقنيات التأثير النفسي، كان اليسار يكتفي بمنشورات وبيانات نصية طويلة، لا تصل إلى الجمهور المستهدف. هذا التأخر لم يكن تقنياً فحسب، وقد عكس فجوة في فهم طبيعة الصراع المعاصر، حيث لم يعد كافياً امتلاك الحق، بل يجب امتلاك القدرة على إيصاله بلغة العصر وأدواته.

 

إشكالية تمثيل النساء في القيادات اليسارية

هنا تبرز إشكالية عميقة في تمثيل النساء ضمن الهيئات القيادية لليسار في كافة التنظيمات، رغم أنهن يشكلن أكثر من نصف المجتمع، ورغم حضورهن الفاعل والمؤثر في القواعد التنظيمية والعمل الميداني. النساء كن جزءاً أساسياً من البنية الاحتجاجية، ودفعن ثمناً باهظاً من التضحيات. وفي التنظيمات اليسارية نفسها، تشكل النساء نسبة لا بأس بها من الكوادر الفاعلة، ومن القيادات الفعلية على مستوى القواعد والمحافظات. لكن هذا الحضور الميداني الكثيف لم ينعكس بشكل عادل على مستوى الهيئات القيادية العليا، حيث يبقى تمثيل النساء محدوداً، وأحياناً رمزياً، دون صلاحيات حقيقية في صنع القرارات المهمة التي تبقى في الغالب بيد الرجال. هذا التناقض بين الدور الفعلي والتمثيل الرسمي لا يضعف اليسار تنظيمياً فحسب، وإنما يفقده جزءاً كبيراً من مصداقيته في الحديث عن العدالة والمساواة. القضية ليست أخلاقية فقط، وإنما سياسية وفكرية: كيف يمكن لليسار أن يطالب بتغيير المجتمع وهو لم يحقق المساواة داخل بناه؟ وكيف يمكنه أن يكسب ثقة النساء في المجتمع وهن يرين أنفسهن مغيبات عن مراكز القرار الفعلي داخل تنظيماته؟

 

إشكالية تمثيل الشباب وضعف القيادات الشابة عن مراكز القرار

 تعاني قوى اليسار من تحد كبير في تمثيل الشباب داخل بنيتها القيادية. رغم ان معظم الاحتجاجات الجماهيرية هي في جوهرها انتفاضات شبابية، قادها جيل جديد بأدوات جديدة ووعي مختلف، الا ان هذا الواقع لم ينعكس على بنية القيادات اليسارية وصنع القرار فيها. معدل اعمار القيادات المعلنة في معظم التنظيمات اليسارية يتجاوز الستين عاما، وحتى في الحالات التي يشارك فيها الشباب في مواقع تنظيمية، فان حضورهم يبقى غالبا خارج الواجهة السياسية، ودون دور مركزي وحاسم في رسم الاستراتيجيات او اتخاذ القرار.

هذا الخلل لم يكن مسألة اعمار فقط، وانما انفصال في اللغة، والادوات، وفهم التحولات الاجتماعية العميقة. الشباب الذين خاضوا الاحتجاجات والمظاهرات المطلبية بأجسادهم، وصنعوا خطابها بأصواتهم، وجدوا أنفسهم غالباً في ادوار التنفيذ والعمل الميداني، دون مشاركة فعلية في التخطيط وتحديد الاتجاه العام. هذا التهميش البنيوي، حتى عندما لم يكن مقصودا، دفع كثيرين منهم الى العزوف عن الاطر التقليدية، والبحث عن اشكال تنظيم بديلة أكثر افقية ومرونة. النتيجة ان اليسار لم يستثمر جزءا كبيرا ومهما من طاقته التجديدية، وبقي محبوسا في دائرة اعادة انتاج نفس الانماط القيادية، بينما الجيل الذي كان يفترض ان يكون في القلب، ظل على الهامش او خارج اطر اليسار.

 

2. هل الانتخابات آلية غير صالحة للتغيير؟

 

يميل جزء من اليسار إلى اعتبار الانتخابات في العراق اداة عقيمة، او مسرحية محسومة النتائج سلفا. هذا التقييم يستند الى وقائع حقيقية، لكنه يصبح اشكاليا عندما يتحول الى موقف مبدئي ثابت، غير قابل للنقاش او المراجعة. الانتخابات، بوصفها الية، ليست تقدمية ولا رجعية بحد ذاتها. هي ساحة صراع، يمكن استخدامها لتعزيز الهيمنة، كما يمكن استخدامها لاختراقها، بدرجات متفاوتة.

التجارب العالمية تثبت ان اليسار نجح في اختراق انظمة انتخابية أكثر قسوة، عندما امتلك استراتيجية واضحة. في اميركا اللاتينية، وفي اماكن اخرى من الجنوب العالمي، لم تكن الانظمة اقل تعقيدا او هيمنة، لكن اليسار تمكن من تحويل الانتخابات الى اداة من بين ادوات اخرى، لا بديلا عن النضال الاجتماعي، ولا نقيضا له. المشكلة في العراق لم تكن في الانتخابات وحدها، وانما في كيفية دخولها، وباي ادوات، وباي خطاب، وباي تحالفات، وعند الحصول على المقاعد كيف تكون اليات العمل داخل البرلمان.

الانتخابات لا تصنع التغيير الجذري بمفردها، لكنها يمكن ان تكون احدى ساحاته. رفضها المطلق قد يكون موقفا اخلاقيا، لكنه سياسيا قد يؤدي الى العزلة. المشاركة غير المدروسة قد تؤدي الى الاحتواء. التحدي الحقيقي هو بناء قدرة على استخدام هذه الالية دون الوقوع في فخها، اي ربطها بحركة جماهيرية اجتماعية حية، وبرنامج واضح، وتنظيم قوي، يحول كل مكسب صغير الى رافعة أكبر.

 

ثالثاً: تشتت النقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية وضعف الاستقلالية

 

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 106 الشهر 19835 الكلي 15895316
الوقت الآن
الأحد 2026/6/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير