الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حاشا قدركم

بواسطة azzaman

كلام أبيض

حاشا قدركم

جليل وادي

 

ْفي زيارة عائلية، تلبية لدعوة صديق مقرب، دخلت علينا والدته بثوبها الطويل وشالها الداكن، امرأة في منتصف الثمانينيات من العمر، سلمت علينا، وكررت ترحابها بطريقة مهذبة جدا، للوهلة الأولى كنت أظن وهي بهذا العمر يتعذر عليها تجميع الكلام، او استذكار حوادث الماضي، او التصرف بطريقة غير محسوبة، لكن ذلك لم يحدث، ما لفت انتباهي ودعاني لايلائهامن الاهتمام ما تستحقه.

كثيرا ما يستهويني الحديث مع كبار السن، ففي كلام بعضهم معان ثرية، يمكنك من خلالها استنباط الحكم والعبر، وان الذي لا يتعظ من الماضي لن يكون طريقه آمنا للمستقبل، وذهب بنا الحديث مناح شتى، ومنها ما تناول حياتنا الريفية، مرابع صبا هذه المرأة، وكلما ورد في حديثها ما هو غير مناسب تردفه بالقول: (حاشا قدركم)، أي مقامكم او منزلتكم، وتأتي هذه العبارة للتنزيه او لاستبعاد الوصف غير اللائق عن الشخص الموجه له الحديث، وكثيرا ما كانت تُستعمل هذه العبارة الجميلة في وسطنا الاجتماعي في عقود ماضية، بينما تكاد لا تستخدم اليوم، او الاقتصار على كلمة (حاشاك) دون ذكر (قدرك). 

ان الذوق الرفيع في اسلوب حديث هذه المرأة، وانتقاء مفرداتها، وطريقة جلوسها، أكثر ما أشاع البهجة في نفسي، وجعل تلك الليلة حلوة المذاق، لكن ما أثار استغرابي انها لم تتلق تعليما معينا، ما ذكرّني بمثلنا الشعبي القائل: (المجالس مدارس)، ومع ذلك تمكنت من دعم أبنائها وبلوغهم مراحل علمية متقدمة، للأسف الشديد كثيرة هي مفردات الخطاب الجميل التي اندثرت بسبب رداءة التعليم وهشاشة المجتمع.

لا ينتابني أدنى شك ان هذه المرأة هي نتاج حالة اجتماعية متقدمة، بمعنى ان المجتمع الذي نشأت في وسطه كان مجتمعا راقيا، ناضجا في تفكيره، واعيا في سلوكه، وهنا بدأت المقارنة بين ما كان عليه المجتمع العراقي في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي وما هو عليه الآن في الألفية الثالثة، ولن اقارن بعامة الناس، بل بطلبة الجامعة الذين يوصفون بالطليعة المتقدمة في المجتمع، والذين يفترض أن يتعلم منهم الناس كل ما هو حضاري.

 لن أتجن اطلاقا بقولي ان غالبية طلبتنا يفتقرون الى الذوق في حديثهم مع الآخرين، فلا المفردات مختارة، ولا الأسلوب لائق، ولا الكلام مناسب للمقام، يخاطبون أستاذهم بالقول: انت قلت، وليس حضرتك او جنابك قلت، يتداخلون بكلامهم دون استئذان مع انك منشغل بالحديث مع طالب آخر، وعند مرورك صدفة وهم جالسون لا ينهضون احتراما لأستاذهم او لكبر سنه او لغيرها من الاعتبارات، حواراتهم فيما بينهم مكتظة بالكلمات النابية وغير المناسبة للحرم الجامعي، ولا يتحرجون من التدخين، ويعدونه مسألة طبيعية حتى وان رآهم الاستاذ، طبعا هم لا يتقصدون فعل هذه الأمور غير المرغوبة،بل لا يعرفون انها سلوكيات خاطئة، ذلك ان أحدا لم يعلمهم الذوق والسلوك الصحيحين.

 واذا كان طلبة الجامعة هكذا، فكيف حال عامة الشباب؟، مرة ومن باب تعليمه قلت لسائق (تكتك) بلغ سن الرشد، بابا : هل يجوز أن يوقف هذا الرجل سيارته بهذا الشكل الذي يعرقل سير الآخرين، فأجابني بكلمة واحدة أقشعر لها جسدي، وارتفعت حرارة فروة رأسي، طبعا قال: (حاشا قدركم).

يمكنني القول وهذا ما أكده شاعرنا المبدع غزاي درع الطائي في حديث شخصي بأن الكثير من الناس ما عادت تعرف (قدرها) أي مكانتها او منزلتها، فالناس متباينون في قدرهم، وهذا ما تفرضه الثقافة والحصيلة العلمية والمكانة الاجتماعية، وحتى المبدعون القدامى في الشعر قسمهم النقاد الى طبقات، فلم يوضعوهم في منزلة واحدة ابداعيا، وهذا ليس تعاليا على الناس او الاقلال من قدرهم، لكن هذا هو الواقع، فلا يمكن أن يتساوى المعلم مع الأُمي، ولا بائع الغاز مع الاستاذ الجامعي مع احترامي لجميع المهن، لكن في بلادنا يرى سائق (الكية) ان المعلم ليس بأحسن منه، وهكذا بائع الخضار والقصاب، لقد كان الشخص الأقل ثقافة عندما يتحاور مع من هو أعلى منه،دائما ما يسبق كلامه بعبارة: ولو انت أعرف مني، او (انت واصل) اي أكثر تعليما، وهذا يعني انه يعرف قدره في السلم الاجتماعي، أظن ان التخلف أقرب الأوصاف لحالنا حاشا قدركم.  

jwhj1963@yahoo.com


مشاهدات 14
الكاتب جليل وادي
أضيف 2026/06/20 - 2:17 PM
آخر تحديث 2026/06/21 - 12:53 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 106 الشهر 19835 الكلي 15895316
الوقت الآن
الأحد 2026/6/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير