الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
كائنات القَيْمَر الشهيّة

بواسطة azzaman

كائنات القَيْمَر الشهيّة

نعيم عبد مهلهل

 

كان للمعلّمين في الأهوار موسمٌ صيفيٌّ ننتظره طوال الفصول الأخرى، حيث أغلب المعلّمين يحزم حقائبه إلى فارنا البلغاريّة أو بودابست، وبعضهم يحمله عشقه لصوفيا لورين ويزور روما لتُنسيه المعكرونة الإيطاليّة لذّة صحون القَيْمَر التي كانت تجيء مجّانًا وبالتناوب من بيوت القرية التي تقع فيها مدرستنا. وحين نعود إلى القَيْمَر لا نشتاق إلى السْباكيتي، فكما يقول أحد المعلّمين: الأصل كفيل بأن يُنسيك أزمنة الابتعاد عنه. وحينما نردّ: ولكن هما شهران فقط. يردّ: شهران بدون القَيْمَر عذاب. مثّل القَيْمَر لنا طقسًا يوميًّا لغموسٍ يمنحنا الطاقة لنكمل أربع ساعاتٍ دراسيّة من دون تعب. وعندما لا يتوفّر القَيْمَر لطارئٍ ما نعوّضه باللبن الخاثر مع الخبز الحارّ، ومتى عدنا في إجازاتنا الأسبوعيّة إلى المدن نمتنع عن تناوله، فيعرف أهلنا أنّنا شبعنا منه حدّ التخمة.

واحدٌ من المعلّمين أتى منفيًّا من الحلّة، ومعه أتت علّةٌ في الكبد لا يستطيع معها أن يتناول الدُّسومة.كنت أراقب نظراته إلى مواعين القَيْمَر وهي مسكونةٌ بأمانٍ وشوقٍ وأمنية، ومتى طلبنا منه أن يتناول قليلًا يتذكّر نصيحة الطبيب ويقول: العمر ولا القَيْمَر.

لكن من مفارقات هذا المعلّم أنّه وقع في حبّ فتاةٍ من أهل القرية اسمها قَيْمَر، فكنّا نضحك ونقول له: لقد عوّضك الله، بدل صحن القَيْمَر بصحنٍ من الأنوثة.

وفعلًا تقدّم لها، وتزوّجها، ولم يذهب بها لتعيش في الحلّة بل بنى له بيتًا من القصب إلى جانب بيت أهلها، وعاش مع قَيْمَر دون الحاجة للالتزام بنصائح الطبيب.دارت الدنيا وفارقتُ مُدن القَيْمَر، وعشتُ أمكنة ترحالٍ عديدة، وكلّ سوبر ماركت أدخل إليه، أفتّش عن صحن القَيْمَر القديم فلا أجده بدون شكلٍ ولا طعم، فهنا يسمّونها القشطة، وهناك قَيْمرًا تركيًّا يسمّونه كَيْمَك لكنّه لا يمتلك شهيّة الضوء في تلك الصحون التي نعرف أنّ جواميسها أتت ممتلئةً من ضروع القصب وحوّلت حليبها إلى قَيْمَر، وكنّا نصل إلى قناعاتٍ أنّ بسبب القَيْمَر وُلدت قَيْمَر من أجل صديقنا، وهناك عشرات النساء بطعم القَيْمَر سيلدن في نظرات المعلّمين في قرى أخرى.يوم عدتُ من مهجري البعيد إلى المدينة، توّاقًا لتناول القَيْمَر الذي كانت تبيعه نساءٌ قادماتٌ من قرى الأهوار في أوّل شارعنا، فلم أجد أثرًا للمكان، ولم أجد أمّي وأبي في الحياة لأسألهم عن سبب اختفاء النسوة. لكنّي عرفتُ أنّ الحياة تغيّرت وبإمكان كلّ واحدٍ عن طريق اليوتيوب أن يتعلّم كيف يصنع القَيْمَر.لكنّي أصررتُ لأتناول القَيْمَر الذي كنّا نتناوله في القرية التي تقع فيها مدرستنا، ومع الشوق لاستعادة ذكريات المكان الذي عشتُ فيه معلّمًا، فشددتُ الرِّحال وأنا أضحك مع نفسي وأقول: رحلة ابن بطّوطة هذه المرّة هي من أجل القَيْمَر.

وصلتُ الظهيرة إلى القرية، وكان عليّ أن أجد مبيتًا لأستعيد لذّة تناول القَيْمَر في الصباح، لم يعرفني الناس هنا، حتّى التلاميذ الذين كبروا نسوا شكلي، ومن أسعفني واستجارني هو زميلي المعلّم الحلّي الذي اقترن بقَيْمَر وعاش في القرية وقد أُحيل على التقاعد من زمانٍ وهو في كلّ صباحٍ يقود قطيع جواميسه إلى أمكنة القيلولة والقصب.

فرح بي. واستعدنا سويّةً ذكريات القَيْمَر والفجر الذي يكتسيه المطر، لكنّني انتبهتُ أنّ زوجته قَيْمَر غير موجودة، وحين سألتُ عنها، طفرت دمعتان من عينيه، وأخبرني أنّها توفّيت قبل أعوامٍ بعيدةٍ وتركته مع صحون القَيْمَر وليس صحون خدّها.وحين أنهيتُ المواساة وسألته عن عدم الزواج مرّةً أخرى.

فقال: لا يُبدَّل القَيْمَر إلّا بقَيْمَر. وبحثتُ طويلًا فلم أجد امرأةً من المعدان بسحرها.

 

 


مشاهدات 22
الكاتب نعيم عبد مهلهل
أضيف 2026/06/20 - 2:36 AM
آخر تحديث 2026/06/20 - 4:57 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 242 الشهر 18962 الكلي 15894443
الوقت الآن
السبت 2026/6/20 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير