الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
كردية تستنير كتاباتها بمصباح العربية


كردية تستنير كتاباتها بمصباح العربية

ناز عدنان البوتاني

 

كُرديّةٌ تعزفُ على أوتارِ اللغةِ العربيّة، فتودِعُ الكسرةَ في مواضعِ الانكسارِ حين يعتريها الأسى، وتُحكِمُ الشدّةَ حيثُ تستدعي الحاجةُ الاحتواءَ، وتسكبُ الضمّةَ على روحٍ تشتّتت ثم آوت إلى مأوًى يؤويها، وتبسطُ الفتحةَ حين تُبصرُ الشمسَ تنبلجُ من أحضانِ الليل.

حين بدأتُ الكتابة، كنتُ كمن يعزفُ على أوتارِ الموسيقى للمرّة الأولى بحروفِ اللغةِ العربيّة؛ فكلُّ نوتةٍ كانت تضعني في موضعي، وكلُّ المشاعرِ كانت تتقلّبُ بين لحظةٍ وأخرى، وكلُّ الآلاتِ كانت تبدّلُ موازينَ الفكرِ وتُشعلُ في داخلي نارَ الإبداع.

كُرديّةُ الأصل، أكتبُ نوتاتٍ عربيّة، وأبحثُ بين سلالمِ النجاحِ عن سبيلٍ يُفضي إلى جمالِ النصوصِ النثريّة والقصائدِ الفصيحة. وكانت رحلةُ البحثِ ثريّةً بعوائقِ الطريق، غير أنّها زادتني قوّةً تسدُّ ثغرةَ جوعي كلّما دفعني الصمتُ نحو السقوط.

فأستنجدُ بالكتابةِ لأنجو، فكانت عكّازَ استقامتي حين أرادوا اقتلاعَ جذوري باليأس، فبقيتُ صامدةً كريحٍ عاتية. لكنّني، رغم ما ارتشفه اليأسُ منّي، ظللتُ صامدةً، وظللتُ أناضلُ حتى تحطّمت قيودُ اليأس، وتحول إلى نورٍ يُنيرُ كتاباتي.

وعندما كنتُ أكتب، كنتُ أسعى إلى أن أُعطي الحرفَ حقَّه من الأناقةِ والرُّقي.

منذ زمنٍ طويلٍ وأنا في دوّامةِ الكتابة، مرّت عليّ سنواتٌ كنتُ فيها في فتورٍ دائم، وكان قلبي بالشعرِ معلّقًا كإرثٍ حضاريّ، وكوطنٍ متجذّرٍ بأصولِه لا يرضخُ لحكمِ الجبابرة.

بل كان عشقُ اللغةِ العربيّة يُهيمنُ على وجداني، كعاشقٍ متيَّمٍ يرى في معشوقتِه أصولَ الوطنِ وقوانينَ لا تُستبدل.

وكنتُ أرى جمالَ اللغةِ العربيّة بعينِ شاعرٍ كُرديٍّ ينقّبُ عن مفرداتِه لينتقي أبهى الكلمات، لا لتكونَ سطورًا تُكتبُ فحسب، بل صورًا شعريّةً تُخلَّدُ في الذاكرة. وكنتُ أبحثُ دائمًا عن ذلك الحرفِ الذي يُزلزلُ كيانَ الآخرِ ويُعيدُ صياغةَ حساباتِه من جديد.

كنتُ في صراعٍ دائمٍ وجدالٍ محتدمٍ بين قلبي الذي يعكسُ ملامحَ أحاسيسِه على الورق، وبين عقلي الذي يودُّ أن ينطقَ ويصوغَ أبهى العبارات؛ لعلّنا ننجو في عصرٍ تاهت فيه الحقيقةُ بين ضجيجِ الآراء.

لغةٌ عظَّمها اللهُ في القرآن، وعلى من وهبهُ اللهُ موهبةَ الكتابةِ أن يضعَها في موضعِها الحقّ، ويصونَها من سوءِ الصياغة.

فمهما بلغتَ من ذروةٍ في إتقانِ نحوِ اللغةِ وأصولِها، فلن توفّيَ حقَّ جمالِ لغةِ القرآن، ولن تُحيطَ بما أودع اللهُ فيها من أسرارِ البيان.

فبلاغةُ اللغةِ أن تُعطى حقَّها في التجلّي، كما جمّلَ اللهُ كلَّ حرفٍ في كتابِه، يُتلى على مسامعِنا، فترتجفُ له الأرواحُ قبل الأبدان.

أنا التي لم أرضخْ لضيقِ الوقت، ولم أسمح له أن يسلبني أعزَّ ما وُهِبتُ. ورغمَ كلِّ القيودِ التي تفرضها قوانينُ الحياة، بقيتُ مناضلةً كجنديٍّ يستنبتُ آمالَهُ في جذورِ الوطن، فيزهرُ بانتصارِه، ويسقي نفسَه مرارةَ البعدِ عن أحبّتِه، ويرتشفُ ماءَ الشوقِ دون أن يرتوي.

كي يُدركَ أنَّ للوطنِ حقًّا علينا، وأن نسقيَه من جهدِنا ونضالِنا الأبديِّ، فيزهرَ فينا كلُّ شيء، ونعودَ إلى مأوانا حاملينَ الوطنَ بين ذراعَيْنا منتصرين.

 


مشاهدات 56
الكاتب ناز عدنان البوتاني
أضيف 2026/06/20 - 1:40 AM
آخر تحديث 2026/06/20 - 3:49 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 199 الشهر 18919 الكلي 15894400
الوقت الآن
السبت 2026/6/20 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير