سوشيال ميديا .. مشتبهٌ به أول
الآء الصوفي
لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد منصات للترفيه أو لتبادل الصور والآراء بل تحوّلت إلى كيانٍ ضخم يعيد تشكيل الإنسان من الداخل ويصنع صورته أمام الآخرين قبل أن يصنع هو نفسه صورته عن ذاته ومع هذا التحول لم يعد تأثيرها مقتصرًا على ما يُنشر أو يُستهلك، بل امتد إلى طريقة إدراك الناس لبعضهم البعض وإلى أسلوب إصدار الأحكام الاجتماعية على الأفراد وهي أحكام قد تكون أشد وطأة من أي حكم قضائي أو محكمة جنائية، لأنها تتسلل إلى الوعي الجمعي وتستقر فيه
منذ صعود منصات مثل فيسبوك وإنستغرام و«إكس» و«تيك توك»، لم يعد المستخدم مجرد متلقٍ أو ناشر بل تحوّل إلى كيان رقمي تُسجَّل تفاصيله بدقة إعجاباته وتوقفه عند منشور معين وتعليقاته وحتى صمته هذه التفاصيل الصغيرة تتحول إلى خوارزميات تعيد رسم صورة الإنسان وربما تعرف عنه ما لا يعرفه هو عن نفسه حتى يصبح مع مرور الوقت نسخةً تشكلها توقعات المتابعين والمشاهدين
لكن الخطر الأكبر لا يكمن في جمع البيانات أو حفظها بل فيما يحدث بعد ذلك اجتماعيًا فقد بدأ الناس يتعاملون مع الآخرين بناءً على “صورتهم الرقمية” لا على حقيقتهم المعقدة والمتغيرة والمتبدلة تبعًا لظروفهم النفسية والاجتماعية والمادية
فالشخص الذي يبدو هادئًا، مسالمًا قليل الجدال عبر المنصات يتحول في نظر الآخرين إلى نموذج جاهز للاستغلال الاجتماعي أو للضغط غير المباشر وكأنه شخص يمكن تحميله ما لا يحتمل لأنه “لن يعترض كثيرًا” وربما يصبح مع مرور الوقت هامشيًا يتلاشى التواصل الحقيقي معه، ويُستبعد من دوائر الحياة الاجتماعية وإذا حاول كسر تلك الصورة أو أثار فضول المتابعين بسلوك مختلف أصبح في نظرهم شخصًا متعبًا أو غريب الأطوار فيُحاكم وفق تقديراتهم وتصوراتهم الخاصة لا وفق واقعه الحقيقي
نسيان رقمي
وهكذا تتحول السوشيال ميديا من مساحة للتعبير إلى أداة لإعادة تعريف الإنسان اجتماعيًا حيث يُطلب منه أن يبقى مطابقًا للصورة التي كوّنها الناس عنه لا للصورة التي يعيشها في داخله وأي انحراف عن هذه الصورة يُقابل بالدهشة أو النقد أو حتى الرفض، وكأن المجتمع يطالب الفرد بأن يكون ثابتًا في عالمٍ لا يعرف الثبات
هذا الانكشاف المستمر قاد أيضًا إلى تآكل مفهوم الخصوصية حتى تحولت الخصوصية لدى بعض المتابعين إلى ما يشبه “الجريمة” إذا ارتكبها مشهور أو شخصية معروفة فما كان يومًا شأنًا شخصيًا أصبح مادة عامة قابلة للحفظ والاستدعاء في أي لحظة لم يعد هناك وجود حقيقي للنسيان الرقمي فكل ما يُنشر يمكن أن يعود بعد سنوات خارج سياقه، ليُستخدم في الحكم على شخصية ربما تغيّرت بالكامل وهكذا تتحول الذاكرة الرقمية إلى سجل دائم لا يعترف بمرور الزمن ولا بحق الإنسان في التغيير
وفي المقابل لم يعد المتلقي يستهلك المحتوى فقط بل يُعاد تشكيل وعيه من خلاله فالخوارزميات لا تعرض ما هو أوسع أو أكثر تنوعًا، بل ما يبقيه أطول وقت ممكن داخل المنصة فتخلق فقاعات معرفية تعيد إنتاج القناعات نفسها وتقلص مساحة التفكير المختلف والحوار الحقيقي
لكن السؤال الأعمق يظهر عندما ننتقل من التأثير الاجتماعي إلى فكرة “الحكم” ذاته فلو وُجد قانون يحاسب هذا الانطباع الرقمي كما يُحاسب المتهمين، فكيف سيكون شكل العدالة؟
هل يمكن اعتبار الصورة الرقمية دليلاً؟ وهل يُحاكم الإنسان على أفعاله الحقيقية أم على ما يراه الآخرون عنه عبر الشاشات؟ إن تحويل الانطباع الاجتماعي إلى معيار للحكم يعني الانتقال من محاكمة الأفعال إلى محاكمة الظلال
فالإنسان الذي يُعرف بأنه ودود أو مسالم عبر مواقع التواصل لا يرتكب جريمة لكنه يصبح محاصرًا بتوقعات اجتماعية تُلزمه بهذا الدور دائمًا ولو أُخضع هذا الانطباع لمنطق قانوني فسنكون أمام خطر تحويل الخوارزميات والانطباعات إلى “شهود غير مرئيين”، والحكم على الإنسان بناءً على صورة قابلة للتشويه والتأويل والاجتزاء
وهنا تكمن المفارقة الخطيرة ففي الوقت الذي يُفترض أن تكون فيه السوشيال ميديا مساحة للحرية تتحول تدريجيًا إلى منظومة ضغط اجتماعي وذاكرة لا تنسى ومعيار غير معلن للحكم على الأشخاص لم يعد الإنسان يُسأل عمّا فعل فقط، بل عمّا “يبدو عليه” أيضًا
في النهاية لم تعد السوشيال ميديا مجرد مشتبهٍ به أول بل أصبحت نظامًا متكاملًا لإعادة تشكيل الإنسان وعيه وصورته وعلاقته بالآخرين وبينما يظن المستخدم أنه يتحكم في حساباته فإن جزءًا كبيرًا من حكم الآخرين عليه بات يُدار من خلف الشاشة، بصمتٍ أشد تأثيرًا من أي كلام
وربما سيأتي يوم تصبح فيه هذه المنصات آخر ما يلجأ إليه الإنسان بعدما تتكشف أخطارها الاجتماعية والنفسية بل وحتى المادية على مستوى العمل والعلاقات وصناعة القرار فقد تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحةٍ للمحاربة والمضاربة والتأثير الخفي حتى غدا كل منشور أو تعليق وكأنه ملف يُضاف إلى أرشيفٍ طويل، قد يُفتح في أي وقت أمام محكمةٍ غير معلنة ومحكمة الاستئناف فيها هي ذاكرة الناس أما محكمة النقض فستكون للأجيال القادمة، حين تدرك أن أخطر ما صنعته التكنولوجيا لم يكن الآلة نفسها بل الأحكام التي منحتها للبشر