الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ما بعد النقد.. بين إرث الارتياب ومنطق الاستيعاب


ما بعد النقد.. بين إرث الارتياب ومنطق الاستيعاب

عادل الثامري

 

شهدت الدراسات الأدبية والإنسانية خلال العقود الأربعة الأخيرة تحولات كبيرة مست أسس الممارسة التأويلية ذاتها. فبعد أن هيمنت النظريات البنيوية وما بعد البنيوية والماركسية والتحليل النفسي والدراسات الثقافية على المشهد الأكاديمي، بدا أن النقد قد استقر بوصفه الأفق المعرفي المهيمن الذي تُقاس في ضوئه شرعية القراءة وقيمتها العلمية. وقد ارتبط هذا الوضع بما سمّاه بول ريكور «تأويلية الشك»، أي ذلك النمط من القراءة الذي يفترض أن المعنى الظاهر ليس سوى قناع يخفي وراءه بنى أعمق من السلطة أو الأيديولوجيا أو الرغبة أو الهيمنة. غير أن هذا الإجماع النظري بدأ يتعرض خلال العقدين الأخيرين إلى مراجعات متزايدة، كان أبرزها ما اصطلح على تسميته بـ«ما بعد النقد» Postcritique.

وقد أثار ظهور هذا التوجه أسئلة جوهرية تتجاوز حدود المنهج الأدبي إلى طبيعة المعرفة الإنسانية ذاتها. فهل يمثل ما بعد النقد تجاوزاً فعلياً للممارسات التأويلية الموروثة؟ أم أنه مجرد حلقة جديدة في تاريخ طويل من التمردات النظرية التي تعيد إنتاج منطقها الداخلي بأسماء مختلفة؟ وهل يمكن بالفعل تخيل قراءة تتجاوز الارتياب دون أن تنزلق إلى السذاجة؟ أم أن هذه الرغبة ذاتها جزء من الشروط الثقافية والسياسية التي أنتجتها الرأسمالية المعاصرة؟

تكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة إذا نظرنا إلى الجدل الذي سبق ظهور ما بعد النقد. ففي عام 1989 نشر روبرت ألتر Robert Alter كتابه «متع القراءة في عصر أيديولوجي» The Pleasures of Reading in an Ideological Age، وعبر عن شعور متزايد بأن النظرية الأدبية تجاوزت الحدود التي جعلت منها في البداية أداة معرفية منتجة. لم يكن ألتر معادياً للنظرية من حيث المبدأ؛ بل كان يعترف بأن الدراسات الأدبية عانت طويلاً من نقص في التأطير المفاهيمي. غير أن ما أقلقه هو التحول الذي جعل النص الأدبي يفقد استقلاليته لصالح أسئلة خارجية تتعلق بالسلطة أو الطبقة أو الجندر أو التاريخ. وبهذا لم يعد الأدب موضوعاً للقراءة بقدر ما أصبح مادة لإثبات فرضيات مستمدة من حقول معرفية أخرى.

تكمن أهمية موقف ألتر في أنه كشف مبكراً عن التوتر الذي يكمن داخل الدراسات الأدبية الحديثة بين الاهتمام بالنص بوصفه عملاً أدبياً وبين التعامل معه بوصفه وثيقة اجتماعية أو سياسية. ومع ذلك، فإن اعتراضه ظل جزءاً مما عُرف لاحقاً بـ«حروب النظرية»، وهي المواجهة التي انقسم فيها الأكاديميون بين مؤيد للنظرية بوصفها أداة للتحرر السياسي والكشف الأيديولوجي، ومعارض رأى فيها تهديداً لخصوصية الأدب وقيمته الجمالية.

غير أن النقاش أخذ منحى أكثر تعقيداً مع ظهور أعمال ريتا فيلسكي. ففي كتابها «حدود النقد» لم تسع فيلسكي إلى رفض النظرية أو العودة إلى إنسانوية تقليدية، بل حاولت تشخيص البنية المشتركة التي تجمع أغلب الاتجاهات النظرية المعاصرة. وقد وجدت أن هذه البنية تتمثل في مركزية النقد بوصفه ممارسة قائمة على الشك. فالنقاد، على اختلاف انتماءاتهم الفكرية، يتشاركون افتراضاً أساسياً مفاده أن المهمة الرئيسة للقراءة تتمثل في كشف ما يخفيه النص وليس في الإصغاء إلى ما يتيحه أو يقدمه.

لم يعد النص الأدبي، من هذا المنظور، موضوعاً للانجذاب أو المشاركة أو التعاطف، بل أصبح موضوعاً للتشخيص. فالقارئ الجيد هو الذي ينجح في اكتشاف البنى المضمرة التي تعمل خلف المعنى الظاهر. ونتيجة لذلك تحولت القراءة إلى ممارسة تعتمد على التفكيك والفضح والكشف بصورة تكاد تكون تلقائية. هنا تحديداً تطرح فيلسكي سؤالها المركزي: ماذا لو لم تكن هذه هي الإمكانية الوحيدة للقراءة؟

لكن السؤال الذي يفرض نفسه فوراً هو ما إذا كان ما بعد النقد يمثل بالفعل خروجاً من النموذج النقدي أم مجرد إعادة تموضع داخله. وهنا يكتسب تحليل مارك فيشر أهمية استثنائية. ففي كتابه «الواقعية الرأسمالية» يقدم فيشر مفهوماً بالغ الدلالة هو مفهوم «الاستيعاب المسبق» Precorporation؛ والمقصود به أن الرأسمالية المعاصرة لم تعد تكتفي باستيعاب أشكال المعارضة بعد ظهورها، بل أصبحت قادرة على تشكيل شروط ظهورها منذ البداية. لم تعد الثقافة المهيمنة تنتظر الحركات الاحتجاجية كي تحتويها؛ بل أصبحت تنتج مسبقاً أنماط التمرد الممكنة وتحدد حدودها وشروط تداولها.

تسمح هذه الفكرة بإعادة النظر في ظهور ما بعد النقد نفسه. فمن جهة أولى، يمكن النظر إليه بوصفه استجابة حقيقية لحالة الإرهاق التي أصابت النموذج الارتيابي. فمن الصعب إنكار أن كثيراً من الممارسات النقدية تحولت إلى طقوس تأويلية متوقعة، وأن عمليات الكشف عن السلطة أو الأيديولوجيا أصبحت في أحيان كثيرة قابلة للتنبؤ مسبقاً. غير أن منظور فيشر يدفعنا إلى التساؤل عما إذا كانت الدعوة إلى تجاوز النقد تمثل بالفعل قطيعة مع هذا الوضع أم أنها تشكل أحد الأشكال الجديدة التي تنتجها الثقافة الأكاديمية في سياق بحثها الدائم عن الجدة والاختلاف.

فالجامعة المعاصرة تعمل داخل اقتصاد معرفي يقوم على إنتاج المستجدات النظرية بصورة مستمرة. وتحت ضغط النشر والتصنيف والتنافس الأكاديمي يصبح الابتكار قيمة في ذاته. ومن ثم فإن ظهور خطاب جديد يعلن تجاوز خطاب سابق لا يمثل بالضرورة دليلاً على حدوث تحول معرفي حقيقي، بل قد يكون جزءاً من الآليات المؤسسية التي تضمن استمرار إنتاج الاختلافات الفكرية وتداولها. وفي هذا السياق يمكن القول إن ما بعد النقد يستفيد من السوق الأكاديمية بقدر ما يسعى إلى نقدها.

غير أن الاعتراض الأكثر عمقاً يتعلق بطبيعة القراءة ما بعد النقدية نفسها. فإذا كان النقد التقليدي ينطلق من افتراض أن النص مشبع بقوى أيديولوجية وتاريخية تتطلب الكشف والتحليل، فإن بعض الصياغات المتحمسة لما بعد النقد تبدو وكأنها تطالب بتعليق هذا الافتراض أو تقليص أهميته. وهنا يبرز السؤال الذي يطرحه فيشر بصورة غير مباشرة: هل يمكن للقارئ أن يتحرر فعلاً من الشروط التي شكلت نظرته إلى العالم؟ أم أن هذا الادعاء ذاته يمثل أثراً من آثار تلك الشروط؟

تكمن قوة هذا السؤال في أنه يعيد توجيه الارتياب نحو ما بعد النقد نفسه. فإذا كان النقد التقليدي يشكك في ادعاءات البراءة والشفافية، فإن منطق الاستيعاب المسبق يجعلنا نشك في إمكانية تجاوز الشك ذاته. وبذلك يصبح ما بعد النقد معرضاً للاتهام بأنه يكرر ما كان يرفضه، وإن كان يفعل ذلك بلغة مختلفة.

ومع ذلك، فإن اختزال ما بعد النقد إلى مجرد نتاج للرأسمالية المعاصرة سيكون بدوره اختزالاً غير مبرر. فمثل هذا الموقف يعيد إنتاج المنطق الذي يسعى ما بعد النقد إلى مساءلته، أي تحويل الظواهر الفكرية إلى أعراض لبنى خفية تفسرها بالكامل. فإذا كان كل تحول نظري يُختزل إلى أثر من آثار الرأسمالية أو السوق الأكاديمية، فإننا نعود مرة أخرى إلى النموذج الارتيابي الذي يفترض امتلاكه القدرة على كشف الحقيقة النهائية الكامنة خلف الظواهر.

لهذا السبب ربما يكون الموقف الأكثر إنتاجية هو النظر إلى ما بعد النقد لا بوصفه بديلاً كاملاً للنقد، ولا بوصفه وهماً ليبرالياً جديداً خالصاً، بل باعتباره محاولة لإعادة التوازن إلى حقل تأويلي اختل لمصلحة الشك. فالقضية ليست التخلي عن النقد، بل تحرير القراءة من احتكار النقد لمجال الشرعية المعرفية. ليست المشكلة في كشف السلطة أو الأيديولوجيا، بل في افتراض أن هذه المهمة تستنفد جميع إمكانات القراءة.

وعلى هذا الأساس يمكن القول إن القيمة الحقيقية لما بعد النقد لا تكمن في نجاحه في تجاوز النقد، بل في قدرته على جعل النقد نفسه موضوعاً للتفكير. فكما كشفت النظريات النقدية حدود القراءات الإنسانية التقليدية، يكشف ما بعد النقد حدود القراءة الارتيابية حين تتحول إلى عقيدة منهجية مغلقة. وبهذا المعنى لا يمثل ما بعد النقد نهاية للنقد بقدر ما يمثل لحظة من لحظات مراجعته الذاتية.

إن مستقبل الدراسات الأدبية لن يتحدد على الأرجح بانتصار أحد الطرفين على الآخر، بل بقدرة الباحثين على تطوير ممارسات تأويلية تجمع بين الحس النقدي والانفتاح على إمكانات النص. فالنصوص ليست مجرد أقنعة تخفي السلطة، لكنها ليست أيضاً كيانات بريئة معزولة عن التاريخ. إنها مواقع تتقاطع فيها القوى الاجتماعية مع الخبرة الجمالية، وتتشابك فيها البنى الثقافية مع أشكال التلقي والانفعال. ومن ثم فإن القراءة الأكثر خصوبة قد تكون تلك التي تحتفظ بقدرتها على الشك دون أن تجعل الشك غايتها الوحيدة، والتي تنفتح على إمكانات النص دون أن تنسى الشروط التاريخية التي أنتجته.

في هذا الأفق يصبح الجدل بين النقد وما بعد النقد أقل أهمية من السؤال الأوسع الذي يثيره: كيف يمكن للقراءة أن تظل ممارسة معرفية حية في زمن أصبحت فيه حتى أشكال المعارضة نفسها عرضة للاستيعاب والاحتواء؟ إن هذا السؤال هو ما يمنح النقاش الراهن أهميته الفكرية الحقيقية، أكثر من أي انحياز منهجي مسبق.

 


مشاهدات 49
الكاتب عادل الثامري
أضيف 2026/06/07 - 2:22 PM
آخر تحديث 2026/06/08 - 1:57 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 122 الشهر 6856 الكلي 15882337
الوقت الآن
الإثنين 2026/6/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير