حديث الجدران الصامتة
عباس التميمي
قيل إن أخطر ما في الاستبداد ليس ملامحه القديمة فحسب، بل قدرته الدائمة على التجدد وارتداء الأقنعة الجديدة. لذلك لم يعد الاستبداد في عصرنا ذلك الحاكم الجالس على عرشٍ مرتفع تحيط به هالات الخوف وطقوس التصفيق الإجباري، بل أصبح أكثر براعة في التخفّي، وأكثر قدرة على التسلل إلى المجتمعات بأشكال تبدو مألوفة ومقبولة.
وجوه مختلفة
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في صورة الطغيان التي عرفتها الشعوب وواجهتها، وإنما في قابليته المستمرة للعودة بوجوه مختلفة، وشعارات براقة، ولغة قد تبدو أحياناً أقرب إلى الحرية منها إلى القمع.فالأنظمة القمعية التقليدية كانت تعتمد على السجون والسياط والمنع الصريح، أما الاستبداد المعاصر فقد أتقن ارتداء عباءة الديمقراطية، وصار يتحدث عن الوطن والإصلاح والتنمية، بينما يحتفظ في جوهره بالأدوات ذاتها: إسكات الأصوات، وتهميش العقول، ودفع الإنسان إلى الخوف أو الاستسلام للصمت.
لقد ازداد الاستبداد خطورة عندما أدرك أن الهيمنة على الأجساد لم تعد كافية، فاتجه إلى السيطرة على الوعي نفسه. فبدلاً من منع الناس من الكلام بالقوة، يجعلهم يعتقدون أن الكلام بلا أثر، وبدلاً من فرض رأي واحد بالقهر، يغرقهم في سيلٍ من الروايات المتناقضة حتى تتلاشى الحدود بين الحقيقة والوهم.فالاستبداد الجديد لا يصل دائماً على ظهر دبابة، بل قد يأتي عبر إعلامٍ موجّه، أو من خلال صناعة القلق والخوف، أو بتحويل المواطن إلى رقمٍ منهكٍ في معركة العيش اليومية، لا يملك وقتاً للتفكير بالشأن العام. إنه استبداد يجيد هندسة الصمت أكثر مما يجيد استخدام العنف، ويعرف كيف يجعل التراجع التدريجي للحقوق يبدو أمراً طبيعياً ومألوفاً.
والأشد خطراً أن بعض أشكال الطغيان الحديثة تتخفى خلف عناوين جذابة مثل حماية الوطن، وصون الاستقرار، ومحاربة الفوضى، بل وحتى الدفاع عن الأخلاق والقيم. عندها تتحول الكلمات الجميلة إلى ستار يمنح القمع شرعية زائفة، فيغدو الاعتراض خيانة، والنقد تهديداً، والمطالبة بالإصلاح مؤامرة.
إن الاستبداد لا يخشى الإنسان الجائع فقط، بل يخاف أكثر من الإنسان الواعي. لذلك يعمل دائماً على إنهاك العقول قبل تقييد الأيدي، وعلى إضعاف التعليم، وتشويه الثقافة، وتحويل النخب الفكرية إلى موظفين صامتين أو أصواتٍ مروّضة.وفي المجتمعات التي يتراجع فيها التفكير الحر، يصبح الطغيان قادراً على إعادة إنتاج نفسه بسهولة، حتى لو تبدلت الوجوه وسقطت الأنظمة. فالمشكلة ليست في الأشخاص وحدهم، بل في العقلية التي تسمح للاستبداد بأن يعود في كل مرة بثوب مختلف.
إن المعركة الحقيقية للشعوب ليست مع الحاكم المستبد وحده، بل مع الفكرة التي تجعل الاستبداد ممكناً، ومع الخوف الذي يمنح الظلم فرصة البقاء، ومع الصمت الذي يتحول مع الزمن إلى شريك خفي في صناعة القهر.ولهذا فإن أخطر لحظة في تاريخ الأمم ليست حين يظهر الاستبداد بوضوح، بل حين ينجح في إقناع الناس بأنه اختفى، بينما يكون منشغلاً بإعادة ترتيب أدواته خلف ستار الشعارات الجديدة.
حين تصبح العدالة امتيازاً لا حقاً، والقانون أداة انتقائية، والمبادئ نصوصاً قابلة للتأويل وفق مصالح الأقوياء، يكون الاستبداد قد بدأ رحلته من جديد.فالطغيان لا يبدأ من أبواب السجون، بل يبدأ عندما يفقد المجتمع حساسيته تجاه الظلم الصغير، وحين يعتاد الناس التنازل المتدرج عن حقوقهم مقابل وهم الأمان، وعندما تصبح الحرية عبئاً يخشاه المواطن بدلاً من أن يتمسك به.والاستبداد لا يخشى الفقر بقدر ما يخشى الوعي. لذلك يسعى إلى إنهاك العقل الجمعي، وإغراق الإنسان في تفاصيل الحياة اليومية حتى يفقد القدرة على طرح الأسئلة الكبرى:من يحكم؟ - ولماذا يحكم؟ - وبأي حق؟إن أكثر الأنظمة استبداداً ليست تلك التي تمنع الناس من الكلام فقط، بل تلك التي تجعلهم عاجزين عن التفكير خارج اللغة التي صاغتها لهم. عندها يتحول المواطن من إنسان حر إلى مجرد صدى، ومن عقل ناقد إلى متلقٍ مطيع.وحين يرتدي الطغيان لغة الحرية، يصبح أكثر خطورة من أي وقت مضى. فهو لا يعود دائماً من الباب القديم، بل قد يتسلل عبر نافذة الشعارات الجميلة، ومن أفواه الخطباء، ومن لغة تبدو وطنية في ظاهرها بينما تخفي في أعماقها خوفاً عميقاً من الإنسان الحر.لذلك فإن معركة الشعوب ليست فقط في إسقاط الطغاة، بل في منع الطغيان من التسلل إلى الأفكار نفسها.
لقفص وطنا
وحين يصبح القفص وطناً، يكون الاستبداد قد بلغ ذروة نجاحه. ففي الأزمنة الرديئة لا يعود الطغيان دائماً مرتدياً بزته العسكرية أو حاملاً سلاحه المكشوف، بل يعود أكثر تهذيباً وأناقة. لقد تعلّم كيف يبتسم أمام الكاميرات، وكيف يتحدث عن الحرية فيما يعمل بهدوء على إفراغها من معناها الحقيقي.كان الطغاة في الماضي يحتاجون إلى السجون لإخضاع الناس، أما اليوم فيكفي أن يحمل الإنسان سجنه في داخله. يقنعونه بأن الخوف حكمة، وأن الصمت فضيلة وطنية، وأن النجاة الفردية أهم من الحقيقة ذاتها.والمشكلة ليست في وجود الدكتاتور فقط، بل في المجتمع الذي يعتاد وجوده حتى يفقد القدرة على رؤية قبحه. فالاستبداد لا ينتصر بالقوة وحدها، بل عندما تتبلد حساسية الناس تجاه الكذب.
في البدايات ترفع الثورات والعهود الجديدة شعارات الحرية والعدالة والمساواة. تكون الكلمات نقية وصادقة، خاصة في الأنظمة التي تنشأ على أسس سليمة. لكن في الأنظمة المريضة لا تبقى الكلمات بريئة طويلاً، إذ تتحول سريعاً إلى أدوات للتخدير الجماعي، وتصبح اللغة نفسها جهازاً أمنياً غير مرئي.فالاستبداد الحقيقي لا يمنع الناس من الكلام فحسب، بل يفسد معاني الكلمات التي يتحدثون بها. يجعل «الخيانة» وصفاً لكل اعتراض، و»الفوضى» تهمة لكل رأي حر، و»الوطنية» امتيازاً تحتكره السلطة لنفسها. وحين تنهار معاني الكلمات، ينهار معها إدراك الحقيقة.وهكذا تعمل الأنظمة الحديثة؛ فهي لا تسعى بالضرورة إلى إقناع المواطن بالكامل، بل يكفيها أن تجعله مرتبكاً ومتعباً وغير قادر على التمييز بين الحقيقة والكذب. فالإنسان الذي يفقد يقينه بالحقيقة يصبح مستعداً لتصديق أي شيء، أو لعدم تصديق أي شيء، وفي الحالتين يكون قد فقد حريته.إن أخطر ما في الاستبداد أنه لا يظهر دائماً بصورة الوحش. أحياناً يأتي بوجه الأب الحنون، أو رجل الدولة الوقور، أو المصلح الذي يعد الناس بالاستقرار. فالطغيان الحديث لا يحب الضجيج، بل يفضّل التسلل ببطء حتى يعتاد الناس وجوده كما يعتادون الرطوبة في الجدران القديمة.ومع مرور الوقت تتكيف الشعوب مع القبح، ويصبح الخوف نظاماً يومياً للحياة، ويتحول النفاق إلى مهارة اجتماعية، بينما يغدو الصادقون غرباء داخل أوطانهم.
وفي عالم كهذا لا يحتاج الاستبداد إلى إخفاء الحقيقة بالكامل، بل يكفيه أن يجعلها ضعيفة ومتعبة وغير قادرة على الدفاع عن نفسها وسط ضجيج الدعاية. وهنا تموت الثورات أخلاقياً، عندما يتحول المظلوم إلى نسخة أخرى من جلاده، وحين يصبح حلم الحرية مجرد إدارة أكثر كفاءة للخوف.
فالاستبداد لا يخاف كثيراً من الجائعين لأنهم منشغلون بالبقاء، لكنه يخشى الإنسان الذي ما زال قادراً على الشك، وعلى تذكّر المعاني الحقيقية للكلمات، وعلى قول «لا» في زمن تحولت فيه الطاعة إلى عقيدة عامة.
ولهذا فإن أكثر الأنظمة رعباً ليست تلك التي تفرض على الناس عبادة الحاكم، بل تلك التي تنجح في إقناعهم بأن القفص هو الوطن الوحيد الممكن.فالاستبداد قد يغيّر لغته، ويبدّل شعاراته، ويجدد أقنعته، لكنه لا يغيّر جوهره أبداً.