العجز عن الإدراك إدراك
نوري جاسم
يولد الإنسان مزودًا بعقلٍ يفتح له أبواب المعرفة، لكنه في الوقت نفسه يظل عقلًا محدودًا لا يستطيع الإحاطة بكل الحقائق. ومن هنا جاءت الحكمة الخالدة: «العجز عن الإدراك إدراك»؛ فهي لا تدعو إلى الاستسلام للجهل، بل إلى الاعتراف بأن للعقل حدودًا يقف عندها، وأن إدراك هذه الحدود هو أول طريق الحكمة.إن التاريخ الإنساني يثبت أن أعظم العلماء والمفكرين كانوا أكثر الناس تواضعًا، لأنهم كلما ازدادوا علمًا أدركوا اتساع المجهول أمامهم. أما الغرور بالعلم فهو دليل على ضيق المعرفة، إذ يظن صاحبه أنه بلغ النهاية، بينما الحقيقة أن العلم بحر لا ساحل له. وفي المنظور الإسلامي، يدعو القرآن الكريم إلى التفكر والتدبر والنظر في آيات الله في الكون والأنفس، لكنه يبين في الوقت نفسه أن الإنسان لا يحيط بكل شيء علمًا، قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾. فالعقل وسيلة عظيمة للمعرفة، لكنه ليس مطلق القدرة، وإنما يقف عند ما لا سبيل له إلى إدراكه. وإن الاعتراف بالعجز عن الإحاطة ببعض الحقائق لا يعني تعطيل العقل، بل يعني استخدامه في مجاله الصحيح، مع التحلي بالتواضع العلمي والإيمان بأن فوق كل ذي علمٍ عليم. وهذا الإدراك يحرر الإنسان من وهم الكمال، ويجعله أكثر إنصافًا، وأقرب إلى الحقيقة، وأكثر احترامًا لآراء الآخرين.
وهكذا تبقى مقولة «العجز عن الإدراك إدراك» درسًا خالدًا في الحكمة؛ فهي تعلم الإنسان أن المعرفة الحقيقية تبدأ بالتواضع، وأن العقل يبلغ كماله حين يدرك حدوده، وأن أعظم الإدراك هو أن يعلم المرء أن هناك حقائق تعلو على قدرته، فيقف أمامها بعلمٍ وإيمانٍ وأدب. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..