همسات أمواج البحر
عبد الستار الراشدي
في مساءٍ هادئ، جلستُ على صخرةٍ تطلّ على البحر، أراقبُ أمواجَه وهي تتعاقبُ كأنها أنفاسُ كائنٍ عظيمٍ لا يهدأ. كان البحرُ أمامي لوحةً حيّة، تتبدّل ألوانها بين زرقةٍ عميقةٍ وبياضٍ متكسّرٍ على أطراف الموج. كلّ موجةٍ تحملُ حكايةً، وكلّ ارتطامٍ بالصخور يُشبهُ صرخةً أو همساً، كأن البحر يروي أسراره لمن يُحسن الإصغاء.
أغمضتُ عينيّ لحظةً، فسمعتُ هدير الموج كأنه موسيقى قديمة، فيها إيقاعٌ يشبه ضربات القلب. تذكّرتُ البحّارة الذين عبروا هذا الامتداد الأزلي، بعضهم عاد محمّلًا بالقصص، وبعضهم ابتلعهم البحر في جوفه، ليصيروا جزءاً من ذاكرته. البحر لا ينسى، بل يخبّئ في أعماقه أسراراً لا تُحصى، من سفنٍ غارقةٍ إلى أحلامٍ لم تكتمل.
فتحتُ عينيّ، فرأيتُ موجةً عاليةً تتقدّم كفارسٍ مغوار، ثم تنكسرُ فجأةً لتتحوّل إلى زبدٍ أبيض، كأنها حياةٌ قصيرةٌ تنتهي في لحظة. خلفها تأتي موجةٌ أخرى، أكثر قوّة، لتُعيد المشهد من جديد. هذا التكرار الأبدي جعلني أفكّر: أليست حياتنا مثل هذه الأمواج؟ نصعدُ بحماس، نواجهُ الرياح، ثم ننكسرُ، لكننا نعودُ لننهض من جديد.
بينما كنتُ غارقاً في تأمّلي، اقتربَ طفلٌ صغيرٌ يحملُ دلواً ، يركضُ نحو البحر ليملأه بالماء. ضحكتُ في سرّي، فالبحرُ كلّه أمامه، ومع ذلك يريد أن يحتفظ بجزءٍ صغيرٍ منه. ربما نحن جميعاً مثل ذلك الطفل، نبحثُ عن قطعةٍ من هذا الكون الشاسع لنقول إنها لنا، رغم أننا نعلم أنّ البحر أكبر من أن يُحتوى.
مع غروب الشمس، تحوّل البحر إلى مرآةٍ ذهبية، تعكسُ الأفق بلونٍ يذيبُ القلب. الأمواج صارت أكثر هدوءاً، كأنها تستعدّ للنوم، لكنني كنتُ أعلم أنّها ستعود لتثور مع أول نسمةٍ من الريح. البحر لا يهدأ طويلاً، فهو كائنٌ حيّ، يتنفّس، يغضب، ويحنّ، مثلنا تمامًا.
غادرتُ الصخرة وأنا أشعر أنّ البحر لم يكن مجرد منظرٍ طبيعي، بل كان معلماً يعلّمني الصبر، ويذكّرني أنّ الحياة مثل أمواجه: لا تتوقّف، ولا تستسلم، بل تستمرّ في الحركة مهما كان المصير.