الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
البحر بوصفه سرداً: قراءة في الإبحار إلى كالكوتا


البحر بوصفه سرداً: قراءة في الإبحار إلى كالكوتا

محمد علي محيي الدين

 

يحتل أدب الرحلات موقعًا خاصًا في الذائقة القرائية؛ فهو من أكثر الأجناس الأدبية قدرةً على نقل القارئ إلى عوالم بعيدة جغرافيًا وثقافيًا، وإلى تجارب لا يمكن أن تتحقق إلا عبر وسيط الكتابة. فالرحلة ليست مجرد انتقال مكاني، بل هي إعادة تشكيل للعالم من خلال عين الكاتب وخبرته الذاتية، إذ يتحول المكان البعيد إلى نصٍّ حيٍّ تتجاور فيه الدهشة والمعرفة والتجربة الإنسانية.

ومن هذا المنظور يغدو أدب الرحلات مساحةً لتوسيع أفق القارئ، لأنه يضعه أمام مشاهد وأحداث وتفاصيل لم يكن ليعاينها بنفسه. ولهذا ظل هذا الأدب يحتفظ بجاذبيته في الثقافة العربية عامة، وفي الذائقة العراقية على وجه الخصوص، لما يوفره من فرصة للانفتاح على عوالم مغايرة، يكتشفها القارئ عبر رؤية الرحّالة وخياله وتأويله الشخصي لما يراه.

وقد تنوعت أشكال هذا الأدب عبر التاريخ؛ فهناك الرحلات الاستكشافية التي تكشف مناطق مجهولة، والرحلات العلمية التي تتقصّى المعرفة، والرحلات السياحية التي تقدم صورًا ثقافية وجغرافية عن المدن والبلدان. غير أن بعض الرحلات تتجاوز هذا التصنيف التقليدي، حين تمتزج فيها التجربة الواقعية بالبناء السردي، فتقترب من عالم الرواية، وتتحول الرحلة إلى نص أدبي تتقاطع فيه الذاكرة والتخييل.

في هذا السياق تندرج تجربة "حسن البحار" في كتابه "الإبحار إلى كالكوتا – رحلة البحار سيمو"، حيث يقدم نصًا يجمع بين الرحلة والرواية، في صيغة سردية تمتاز بالتشويق والحيوية. فالكاتب لا يكتفي بتسجيل وقائع السفر، بل يعيد بناء التجربة البحرية عبر لغة أدبية وصور سردية تمنح النص طابعًا روائيًا واضحًا، بحيث يشعر القارئ أنه لا يقرأ مذكرات سفر فحسب، بل يعيش مغامرة سردية تتكشف أحداثها تدريجيًا.

إن ما يميز هذه الرحلة هو زاوية النظر الخاصة التي يكتب منها المؤلف. فهو ليس رحّالة عابرًا يزور البحر من الخارج، بل بحّار عاش التجربة اليومية للبحر بكل ما فيها من خوف وترقّب ومفاجآت. ومن هنا تكتسب المشاهد التي يقدمها صدقيتها وقوتها التعبيرية، لأن الكاتب يصف عالمًا خبره بنفسه، وعاش تفاصيله الدقيقة في العمل اليومي وسط الأمواج والموانئ والرحلات الطويلة.

وهذا ما يمنح النص بعدًا خاصًا في السرد؛ فالبحر هنا ليس مجرد فضاء جغرافي، بل يتحول إلى عالم رمزي تتداخل فيه المغامرة بالقلق، والحرية بالمخاطر، والاكتشاف بالوحدة. فالبحّار، وهو يمخر عباب البحر، يعيش دائمًا بين احتمالين: الدهشة والخطر، وهو ما ينعكس في نبرة السرد التي تتأرجح بين الحذر والترقب.

ومن خلال هذا السرد يستعيد الكاتب ذاكرة الرحلة، فيصف الحياة اليومية لرجال البحر: عواطفهم، انفعالاتهم، علاقاتهم، وطريقتهم في مواجهة العزلة الطويلة في عرض المحيطات. وهنا تتحول الرحلة إلى نوع من التأمل في التجربة الإنسانية، حيث يصبح البحر فضاءً لاختبار النفس البشرية في مواجهة المجهول.

كما ينجح الكاتب في رسم صور حية للشخصيات التي يلتقيها في مسار رحلته الطويلة، سواء كانوا من رفاق السفينة أو من الغرباء الذين يصادفهم في الموانئ البعيدة. فهذه الشخصيات لا تظهر بوصفها عناصر عابرة في الحكاية، بل تتحول إلى مرايا تعكس حالات نفسية متعددة: القلق، الحنين، الترقب، والرغبة في العودة.

إن هذه الشخصيات، بما تحمله من هواجس السفر ووحشة المسافات، تمنح النص بعدًا إنسانيًا واضحًا، وتكشف أن الرحلة ليست مجرد انتقال في المكان، بل هي أيضًا انتقال في الوعي والتجربة.

ولا يخفى أن أدب البحر يشكل تقليدًا راسخًا في الآداب العالمية، إذ تناول كثير من الكتاب مغامرات البحر وأهواله، وصوّروا الحياة البحرية بما تحمله من مفاجآت وأخطار. غير أن هذا اللون من السرد ظل محدود الحضور في الأدب العربي عمومًا، وفي السرد العراقي على نحو خاص، بسبب قلة التجارب المباشرة المرتبطة بالبحر.

ومن هنا تكتسب تجربة "حسن البحار" أهميتها، لأنها تضيف إلى السرد العراقي زاوية جديدة قلّما تناولها الكتّاب، وهي زاوية الحياة البحرية بوصفها تجربة إنسانية وسردية في آن واحد. فالبحر في نصوصه ليس مجرد خلفية للأحداث، بل هو بطل خفي يحرك مسار الحكاية ويشكل مزاجها العام.

ويبدو واضحًا أن الكاتب لا يستطيع الفكاك من هذا العالم البحري؛ فهو يعود إليه مرارًا في قصصه ورواياته، كأن البحر قد أصبح جزءًا من ذاكرته الإبداعية. ولهذا تبدو نصوصه مشبعة بروائح الموانئ وأصوات الأمواج وحكايات البحّارة، بما يمنحها طابعًا خاصًا يميزها داخل المشهد السردي.

وفي ضوء ذلك يمكن القول إن الإبحار إلى كالكوتا ليست مجرد رحلة بحرية، بل هي تجربة سردية تجمع بين المغامرة والتأمل، وبين الواقع والتخييل، لتقدم نصًا يثير الدهشة ويحفّز القارئ على متابعة مساراته بشغف. إنها رحلة في الجغرافيا، لكنها أيضًا رحلة في النفس البشرية، وفي معنى السفر الدائم نحو المجهول.

ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى هذا العمل بوصفه محاولة لفتح أفق جديد في السرد العربي، عبر إدخال التجربة البحرية بوصفها مادة سردية غنية، قادرة على إنتاج عوالم مليئة بالتشويق والأسئلة والاحتمالات.

الكتاب من مطبوعات الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين 2025.

 

 

 


مشاهدات 52
الكاتب محمد علي محيي الدين
أضيف 2026/05/06 - 3:05 PM
آخر تحديث 2026/05/07 - 2:08 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 112 الشهر 5913 الكلي 15251107
الوقت الآن
الخميس 2026/5/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير