الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
في ضوء التجارب الدولية الناجحة.. تعدّد مجالات الإقتصاد وحوكمة الدولة

بواسطة azzaman

في ضوء التجارب الدولية الناجحة.. تعدّد مجالات الإقتصاد وحوكمة الدولة

سعد البخاتي

 

يمثل تعدد مجالات الاقتصاد أحد المرتكزات الأساسية لبناء الدولة الحديثة وتحقيق الاستقرار المالي والسياسي والاجتماعي، لاسيما في الدول التي تعتمد بصورة كبيرة على مورد اقتصادي واحد، كما هو الحال في العراق الذي يعتمد اقتصاده بشكل شبه كلي على العائدات النفطية. وقد أثبتت التجارب الدولية أن الاقتصاد الأحادي يؤدي إلى هشاشة مالية واضطرابات اقتصادية عند انخفاض أسعار المورد الرئيس، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على الموازنة العامة والخدمات والتنمية والاستقرار الوطني. ومن هنا برزت الحاجة إلى بناء اقتصاد متعدد المجالات قائم على الصناعة والزراعة والسياحة والطاقة والتكنولوجيا والاستثمار، بالتزامن مع ترسيخ مبادئ حوكمة الدولة والإدارة الرشيدة.

أسس اقتصادية

وقد أكد دستور جمهورية العراق لسنة 2005 هذا الاتجاه بصورة واضحة، إذ نصت المادة (25) على أن “تكفل الدولة إصلاح الاقتصاد العراقي وفق أسس اقتصادية حديثة، وبما يضمن استثمار كامل موارده وتنويع مصادره وتشجيع القطاع الخاص وتنميته”. ويُعد هذا النص قاعدة دستورية ملزمة للسلطات العامة، لأنه يضع على عاتق الدولة التزاماً قانونياً بتقليل الاعتماد على النفط والعمل على إيجاد بدائل اقتصادية مستدامة. كما نصت المادة (26) من الدستور على تشجيع الاستثمار في مختلف القطاعات، وهو ما يشكل أساساً قانونياً لدعم التنمية الاقتصادية وجذب رؤوس الأموال والخبرات الدولية.

إن مفهوم تعدد مجالات الاقتصاد لا يعني التخلي عن الثروة النفطية، بل يعني استثمار الإيرادات النفطية في بناء قطاعات إنتاجية قادرة على دعم الناتج المحلي الإجمالي وتحقيق الأمن الغذائي وتوفير فرص العمل. فالدول المتقدمة لم تعتمد على قطاع واحد، وإنما اعتمدت على تنوع مصادر الدخل وربط الاقتصاد بالبحث العلمي والتكنولوجيا والإدارة الحديثة. ومن هنا فإن بناء اقتصاد عراقي متنوع يتطلب رؤية استراتيجية شاملة تقوم على التخطيط بعيد المدى وتفعيل المؤسسات الاقتصادية وفق قواعد الحوكمة الرشيدة.

مجموعة قواعد

ويقصد بحوكمة الدولة من الناحية القانونية مجموعة القواعد والإجراءات التي تنظم إدارة المؤسسات العامة وفق مبادئ الشفافية والمساءلة والكفاءة وسيادة القانون. فالاقتصاد لا يمكن أن ينمو في بيئة يسودها الفساد الإداري وضعف الرقابة وتضارب الصلاحيات. ولهذا السبب أصبحت الحوكمة معياراً أساسياً لنجاح الدول الحديثة، لأنها ترتبط مباشرة بحماية المال العام وتحقيق العدالة الإدارية وتعزيز ثقة المواطن بالدولة. وقد أكدت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لسنة 2003، التي انضم إليها العراق، ضرورة اعتماد أنظمة قانونية وإدارية تكفل النزاهة والشفافية في إدارة الأموال العامة.

ومن الناحية الدستورية، نصت المادة (27) من الدستور العراقي على أن “للأموال العامة حرمة، وحمايتها واجب على كل مواطن”، وهو ما يؤسس لمبدأ الحوكمة المالية والإدارية، لأن حماية المال العام لا تتحقق إلا من خلال إدارة قانونية رشيدة تخضع للرقابة والمحاسبة. كما أن القواعد العامة في القانون الإداري تؤكد خضوع جميع أعمال الإدارة لمبدأ المشروعية، أي خضوعها للقانون والدستور، الأمر الذي يجعل الحوكمة جزءاً من الشرعية الدستورية للدولة.

وعند دراسة التجارب الدولية الناجحة، نجد أن دولة الإمارات العربية المتحدة استطاعت الانتقال من الاقتصاد النفطي إلى الاقتصاد المتنوع عبر تطوير قطاعات السياحة والطيران والاستثمار والخدمات المالية، بالتزامن مع تحديث التشريعات واعتماد الحكومة الإلكترونية وتبسيط الإجراءات الإدارية. وقد أسهم ذلك في جذب الاستثمارات وتحقيق نمو اقتصادي مستدام.

اقتصاد متطور

أما سنغافورة فقد نجحت في بناء اقتصاد عالمي متطور رغم محدودية مواردها الطبيعية، وذلك بفضل سيادة القانون ومكافحة الفساد وربط الوظيفة العامة بمعيار الكفاءة والنزاهة. كما اعتمدت على تطوير التعليم والتكنولوجيا وتعزيز استقلال القضاء والأجهزة الرقابية، ما جعلها من أكثر الدول استقراراً اقتصادياً وإدارياً.

وفي التجربة النرويجية، استطاعت الدولة إدارة ثروتها النفطية وفق قواعد الحوكمة الرشيدة من خلال إنشاء صندوق سيادي يخضع لرقابة مالية صارمة، الأمر الذي وفر استقراراً اقتصادياً طويل الأمد وحمى الاقتصاد من تقلبات أسعار النفط العالمية.

إن العراق يمتلك من الموارد الطبيعية والبشرية ما يؤهله لتحقيق نهــــــــــضة اقتصادية حقيقـــــية، إلا أن ذلك يتطلب إصلاحاً قانونياً وإدارياً شاملاً يقوم على إنهاء المحاصصة السياسية واعتماد الكفاءة والنزاهة في إدارة مؤسسات الدولة، فضلاً عن تحديث القوانين الاقتصادية وتعزيز استقلال الأجهزة الرقابية وتفعيل الحكومة  الإلكترونية ودعم القطاع الخاص وتشجيع الاستثمار الوطني والأجنبي.

وفي الختام، فإن تعدد مجالات الاقتصاد وحوكمة الدولة لم يعودا خياراً سياسياً فحسب، بل أصبحا ضرورة دستورية ووطنية لتحقيق التنمية المستدامة وبناء دولة المؤسسات الحديثة. فالتجارب الدولية أثبتت أن التنمية الحقيقية لا تتحقق إلا في ظل سيادة القانون والإدارة الرشيدة والشفافية والكفاءة المؤسسية، وإن العراق قادر على تحقيق ذلك متى ما فُعّلت النصوص الدستورية بصورة صحيحة واعتمدت الدولة مبدأ التخطيط الاستراتيجي والإدارة القائمة على المصلحة الوطنية العليا.


مشاهدات 61
الكاتب سعد البخاتي
أضيف 2026/05/19 - 3:52 PM
آخر تحديث 2026/05/20 - 12:03 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 22 الشهر 18533 الكلي 15863727
الوقت الآن
الأربعاء 2026/5/20 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير