منصّات العلم ام صالات أفراح؟
محمد الربيعي
تحولت مناقشات مشاريع التخرج ورسائل الماجستير واطاريح الدكتوراه في كثير من جامعاتنا من محافل علمية رصينة يفترض ان تشرح فيها النظريات وتناقش الادلة، الى ما يشبه صالات الاعراس ومهرجانات المهر والتوزيعات الفارهة، وهذه الظاهرة المستجدة لم تعد مجرد مظهر عابر، بل تحولت الى سلوك غير اكاديمي يستوجب الشجب والوقوف عنده بحزم.
ان مشهد طاولات المناقشة وهي تغص بالشموع والتحفيات وباقات الورد الضخمة وقوائم الطعام والحلويات وكاسات المهر الفاخرة، يعكس بوضوح ازمة وعي حقيقية. هذه البهرجة الجوفاء لا تمت بصلة للبحث العلمي، بل هي انعكاس مباشر لعقلية عشائرية متخلفة وفاسدة تحاول فرض قيم الوجاهة الاجتماعية والمفاخرة الطبقية داخل الحرم الجامعي، حيث يعكس السعي وراء ابهار الحاضرين بالبذخ رغبة في شراء البرستيج الاجتماعي بالمال لا بالجهد العلمي، ومما يؤدي الى افساد الرصانة الاكاديمية عندما يصبح التركيز على جودة الضيافة والديكور، فتضيع القيمة الحقيقية للنقاش العلمي، ويتحول الحدث من تقييم معرفي صارم الى مجاملات متبادلة، فضلا عن تحول هذه الممارسات الى سوق تجارية وتجارة مربحة.
والضحية الاكبر في هذه الدوامة الفاسدة هو الطالب، حيث يجد الطلبة انفسهم منساقين وراء هذا الوهم بفعل ضغط سيكولوجية القطيع، وان اخطر ما في هذه الظاهرة هو اجبار الطالب محدود الدخل على مجاراة هذا البذخ المستفز، لكي لا يشعر بانه اقل من زملائه، او خوفا من ان ينظر اليه نظرة دونية، فيضطر للاستدانة لتغطية مصاريف لا علاقة لها بالتعليم.
واذا نظرنا الى الجامعات العالمية الرصينة، نجد ان طاولات المناقشة لا تحتوي الا على نسخة من الرسالة وقلم وكوب من الماء او القهوة، فالعلم هناك يحترم لذاته، وقيمة الطالب تقاس بما يقدمه من اضافة معرفية في تخصصه، وليس بما يقدمه من وجبات وحلويات للجنة المناقشة.
ان انقاذ الهوية الاكاديمية لجامعاتنا يتطلب وقفة جادة من ادارات الجامعات ووزارة التعليم العالي لمنع هذه المظاهر منعا باتا وتجريمها، ويجب ان يعود للمناقشة وقارها وللعلم هيبته، وان نضع حدا لهذا الفساد القيمي الذي يحول قاعات المعرفة الى ساحات للمباهاة والتفاخر الطبقي، فالنجاح الحقيقي هو ما تحمله في راسك من علم، لا ما تضعه على الطاولة من زينة.