الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
يتغنون بالزهد الايراني .. ويبجلون التاهو الامريكي

بواسطة azzaman

يتغنون بالزهد الايراني .. ويبجلون التاهو الامريكي

عبدالقادر حداد

 

في العراق لم تعد السياسة صراعًا حول البرامج والإدارة والاقتصاد بقدر ما هي صراع صور ورموز وانطباعات نفسية واجتماعية، ولهذا يمكن ملاحظة مفارقة شديدة الوضوح داخل الخطاب الشعبي، فالكثير ممن يتغنون بما يسمونه “الزهد الإيراني” ويقدمون بعض المسؤولين الإيرانيين بوصفهم نماذج للنقاء الثوري بسبب بساطة مساكنهم وملابسهم وسياراتهم، هم أنفسهم الذين يقفون بإعجاب أمام المسؤول العراقي المحاط بسيارات الـ“تاهو” السوداء والمواكب الثقيلة والساعات الباهظة ومظاهر النفوذ والاستعراض، رغم أن هذه المظاهر ترتبط في الوعي العام غالبًا بالفساد واستغلال السلطة والانتفاع غير المشروع من المال العام. هذا التناقض لا يمكن اعتباره مجرد تفصيل عابر أو سلوك فردي بسيط، بل هو انعكاس لأزمة أعمق داخل البنية القيمية والاجتماعية والسياسية في العراق، حيث لم تعد المعايير ثابتة بقدر ما أصبحت مرتبطة بالحاجة او الغاية غير المعلنة من اطلاقها او تبنيها . فمنذ عقود عملت إيران على ترسيخ صورة “المسؤول الزاهد” باعتبارها جزءًا من شرعية النظام الثورية، إذ يتم تقديم المسؤول الذي يرتدي ملابس بسيطة ويعيش حياة متواضعة ظاهريًا بوصفه نموذجًا أخلاقيًا يختلف عن صورة الحاكم النمطية في بعض دول الشرق الأوسط والمرتبطة بالقصور والبذخ والاستعراض، وقد أثرت هذه الصورة في قطاعات واسعة داخل المنطقة ومنها العراق، لأن المجتمعات التي تعبت من الفساد والترف السياسي تصبح أكثر استعدادًا نفسيًا للإعجاب بأي نموذج يبدو قريبًا من الناس وأقل استعراضًا للثروة. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الزهد من قيمة حقيقية مرتبطة بالشفافية واحترام المال العام إلى مجرد صورة إعلامية أو انطباع بصري، لأن النزاهة لا تُقاس بنوع الملابس أو شكل المنزل فقط، بل بطبيعة إدارة الدولة ومقدار الشفافية والمحاسبة واحترام القانون، وإلا فإن الزهد قد يتحول إلى أداة دعائية تمنح انطباعًا أخلاقيًا دون أن تعكس بالضرورة حقيقة البنية السياسية أو الاقتصادية القائمة خلفها . وفي الجهة المقابلة يظهر النموذج العراقي الذي نشأ بعد 2003، حيث أصبحت سيارات الدفع الرباعي الضخمة والمواكب والحمايات والساعات الثمينة جزءًا من صورة المسؤول النافذ، والمفارقة أن جزءًا من المجتمع لا ينظر إلى هذه المظاهر بوصفها دليل فساد فقط، بل بوصفها أيضًا علامة قوة وهيبة ونجاح. هنا تتكشف واحدة من أكثر الظواهر تعقيدًا في المجتمعات المأزومة، فحين يعيش الناس في بيئة مضطربة سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، تصبح القوة المادية والاستعراض الرمزي مصدرًا للإعجاب حتى لو كان مصدر تلك الثروة موضع شك. فالسيارة الفارهة لا تُقرأ دائمًا باعتبارها رمزًا للمال العام المنهوب، بل باعتبارها دليل نفوذ، والموكب الكبير لا يُنظر إليه فقط كاستفزاز للفقراء بل أيضًا كصورة للرجل القوي الذي يمتلك سلطة وقدرة وحضورًا وهيبة. وهكذا ينشأ تناقض داخلي في الوعي الجمعي، إذ يرفض الإنسان الفساد نظريًا لكنه قد ينجذب نفسيًا إلى رموزه حين ترتبط بالقوة والمكانة . المفارقة الأوضح تظهر حين يجتمع الأمران داخل الشخص نفسه، فهو يمتدح المسؤول الذي يعيش ببساطة لأنه يرى في بساطته نقاءً أخلاقيًا، ثم يبجل في الوقت ذاته المسؤول المحلي الذي يستعرض ثروته ونفوذه، وهنا لا يعود المعيار أخلاقيًا ثابتًا بقدر ما يصبح انتقائيًا، فالقيم لا تُطبَّق على الجميع بالطريقة نفسها، بل تُعاد قراءتها وفق الصورة الذهنية التي تُبنى حول كل مسؤول على حدة، فالمسؤول الزاهد يُحتفى ببساطته بوصفها رمزًا للنقاء والورع، بينما تُبرَّر مظاهر الثراء أو الاستعراض عند مسؤول اخر بوصفها تعبيرًا عن الهيبة أو متطلبات النفوذ أو قوة الدولة، رغم أن كلا النموذجين ينتميان إلى السياق السياسي نفسه. وبهذا لا يعود الناس يحاكمون الأداء السياسي وفق معيار ثابت يتعلق بالأداء والنزاهة واحترام المال العام، بل وفق انتقاء نفسي ورمزي يجعل القيم نفسها قابلة لإعادة التفسير حسب الحاجة والغاية الخفية لا حسب المبدأ . وفي العمق، لا تتعلق القضية بالسيارات أو الساعات أو حتى بالمساكن المتواضعة بحد ذاتها، بل بعلاقة المجتمع بفكرة السلطة والقوة. فالمجتمعات التي عاشت الحروب والانقسامات والأزمات الطويلة تميل غالبًا إلى احترام الشخص الذي يبدو قويًا ومحصنًا وصاحب نفوذ، حتى لو كانت تعلن في خطابها الأخلاقي رفض الترف والفساد. ولذلك يصبح المسؤول المحاط بالمواكب والسيارات الثقيلة أقرب إلى صورة “الرجل القادر” في المخيال الشعبي، بينما يبقى الزهد والنزاهة قيمة أخلاقية معجَبًا بها نظريًا فقط . لهذا فإن ظاهرة التغني بـ“الزهد الإيراني” بالتوازي مع تمجيد “التاهو الأمريكي” ليست مجرد نكتة سياسية أو مفارقة ساخرة، بل تعبير عن أزمة أعمق في فهم معنى السلطة ومعايير احترام المسؤول داخل المجتمع. فحين تصبح القيم انتقائية، ويُقاس المسؤول لا بادائه ولا نزاهته بل بالمال الذي جمعه من الاستغلال الوظيفي لمنصبه والهالة الامنية والإعلامية التي خلقها لنفسه من خلال هذا المال، يتحول التناقض إلى أمر طبيعي داخل الوعي العام. وعندها يصبح ممكنًا جدًا أن يرفع الشخص نفسه شعارات تمجيد الزهد والنقاء الثوري، ثم يقف في اللحظة ذاتها مبهورًا بمظاهر القوة والثراء غير الشرعي التي يفترض نظريًا أنها تناقض كل ما يصدح به .

 

 


مشاهدات 58
الكاتب عبدالقادر حداد
أضيف 2026/05/18 - 3:11 PM
آخر تحديث 2026/05/19 - 1:45 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 86 الشهر 17536 الكلي 15862730
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/5/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير