الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
لا ترفعوا سقف التوقّعات

بواسطة azzaman

لا ترفعوا سقف التوقّعات

سامي العسكري

 

يبدو الترحيب الدولي الواسع بتكليف السيد علي الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة حدثاً لافتاً في توقيته وحجمه، لكنه يحمل في داخله دلالات متباينة لا ينبغي قراءتها بسطحية أو تفاؤل مفرط.

فهذا الترحيب لا يعني فقط وجود رغبة دولية في دعم الحكومة المقبلة، بل يعكس أيضاً حجم القلق الإقليمي والدولي من المرحلة التي تمر بها المنطقة، وما يمكن أن يترتب على أي اهتزاز جديد في العراق. ومن الطبيعي أن يحمل هذا الدعم في داخله توقعات، وربما اشتراطات حاضرة ومستقبلية، تتعلق بشكل الحكومة المقبلة وسياساتها وطبيعة موقع العراق وسط الصراع الإقليمي المتصاعد.

مرشح التسوية

في الداخل، تبدو حقيقة أخرى شديدة الأهمية.

فالزيدي لم يصل إلى الترشيح نتيجة حسم سياسي واضح داخل الإطار التنسيقي، بل جاء بعد عجز القوى الأساسية عن تمرير مرشحيها المفضلين، ما جعله عملياً مرشح تسوية.

وهذه ليست مسألة شكلية. فغالباً ما يتحرك مرشحو التسويات داخل مساحة ضيقة رسمتها التفاهمات التي جاءت بهم، ويصبحون مضطرين إلى مراعاة توازنات معقدة، تحدّ من قدرتهم على اتخاذ قرارات كبيرة أو الدخول في مواجهات سياسية حاسمة.

ولهذا، فإن أي حديث مبكر عن تغييرات جذرية أو انقلابات واسعة في إدارة الدولة يبدو أقرب إلى الأمنيات منه إلى الوقائع.

حكومة في منطقة ملتهبة

كل ذلك يجري فيما المنطقة تعيش واحدة من أكثر مراحلها توتراً منذ سنوات.

صحيح أن الحرب توقفت عسكرياً، لكن أحداً لا يستطيع الجزم بأنها انتهت فعلاً. فالهدوء الحالي يبدو أقرب إلى وقف هش لإطلاق النار منه إلى تسوية مستقرة، فيما تبقى احتمالات عودة القتال قائمة في أي لحظة.

والعراق، بحكم موقعه الجغرافي وتشابكاته السياسية والاقتصادية، يوجد في قلب هذه العاصفة، لا على هامشها.

وهذا يعني أن الحكومة المقبلة لن تعمل في ظروف طبيعية، بل وسط بيئة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الحسابات الأمنية بالاقتصادية، والداخلية بالإقليمية.

ما الذي يمكن أن تحققه الحكومة؟

لهذا كله، ربما يكون من الضروري خفض سقف التوقعات.

ليس تشاؤماً، بل قراءة واقعية لحجم التحديات.

فأفضل ما يمكن أن تقدمه الحكومة المقبلة، في هذه المرحلة تحديداً، هو:

حماية العراق من الانزلاق إلى حرب سيكون الطرف الأضعف فيها.

والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الداخلي،

والاستمرار في تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين،

وضمان استمرار دفع رواتب الموظفين والمتقاعدين دون اضطراب.

ايرادات نفطية

أما التحدي الاقتصادي، فسيكون بالغ الحساسية، خصوصاً مع احتمالات تراجع الإيرادات النفطية أو اضطراب الأسواق الإقليمية والعالمية.

ومن هنا، تصبح إدارة المال العام بحذر ضرورة وجودية، لا مجرد خيار اقتصادي، مع أهمية تجنب إغراق العراق بمزيد من الديون الداخلية والخارجية التي قد تتحول مستقبلاً إلى عبء يهدد الاستقرار المالي للدولة.

المشكلة في العراق ليست فقط في الحكومات، بل في ميل الطبقة السياسية والرأي العام معاً إلى رفع سقف التوقعات عند كل تغيير جديد، ثم التحول سريعاً إلى الإحباط حين تصطدم تلك التوقعات بوقائع الدولة المعقدة.

والحقيقة أن الحكومات، مهما كانت نياتها، تبقى أسيرة الظروف التي تعمل داخلها.

واليوم، تبدو ظروف العراق والمنطقة أكبر من أي حكومة، وأقسى من أي برنامج سياسي طموح.

الخلاصة

ربما لا تكون المهمة الكبرى للحكومة الجديدة هي بناء عراق مختلف بالكامل، بل منع العراق من أن يصبح ضحية للفوضى الإقليمية المحيطة به. وفي أوقات الاستقرار تُقاس الحكومات بما تنجزه، أما في أزمنة العواصف، فتُقاس أولاً بقدرتها على منع الانهيار.

 كاتب عراقي مهـــــــتم بقضايا الدولة


مشاهدات 43
الكاتب سامي العسكري
أضيف 2026/05/12 - 3:30 PM
آخر تحديث 2026/05/13 - 1:07 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 60 الشهر 11683 الكلي 15256877
الوقت الآن
الأربعاء 2026/5/13 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير