الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين يرتفع سعر النفط تنخفض قيمة البشر

بواسطة azzaman

حين يرتفع سعر النفط تنخفض قيمة البشر

ناهدة محمد علي

 

في المنطقة العربية التي أُبتليت بمخزون النفط كثيراً ما يرتفع سعر النفط ثم ينخفض ، وكثيراً ما يتوقف ضخ النفط لأسباب سياسية وإقتصادية ، لكن الدم العربي إحتفظ بسعر موحد منخفض وهو قابل للإنخفاض وغير قابل للإرتفاع مع أن جودته تضاهي الأعراق الأخرى ، ومع أن هناك بدائل للنفط إلا أنه لا بديل للدم البشري .

حينما إرتفع قليلاً سعر النفط  قبل سنوات وصل إلى 66 دولار للبرميل  وإرتفع نفط غرب تكساس إلى 59،73 دولار للبرميل إنسحب هذا على سعر الدم العربي فإنخفض كثيراً وفُتحت أنابيب الدم كاسحة الرئاسات والقوى القمعية المنتشرة في العالم العربي ، من السودان حيث أزاحت المظاهرات الدموية حكم البشير وغيرت القيادات في الجزائر وعَبر فيضان الدم في سوريا كل الحواجز ليدخل إلى كل بيت والكل خاسر هنا ، ولم تستطع حركات التصحيح أن تغير الواقع العربي بسبب عدم مصداقية القيادات العربية .

دم شبابي

لذلك قامت في العراق حركات لتصحيح المسار الديمقراطي وكل أجزاء السلطة تدعي الوطنية والمشروعية لكن الدستور يؤكد على أن الشعب هو مصدر السلطات ، والحقيقة هي أن قوة السلاح هي مصدر السلطات ، ورغم عنفوان سريان الدم الشبابي المتفجر ، لكن السلطة لا زالت في أيدي تجار النفط وكراسيهم مثبته بألف مسمار ومسمار وهذه تحتاج إلى الوقت والصبر لقلعها الواحد تلو الآخر .

إن الغريب في مجتمعاتنا هي محاولات إسكات الضمير الفردي والمجتمعي ومن أقوى أدوات الضمير المجتمعي هي الصحافة الحرة والتي لا ترضى بالمهادنة ، والأغرب من هذا هو أن قتلة الصحفيين لا يجدون من يعاقبهم لأنه وببساطة لا تستطيع السلطة أن تعاقب أزلامها .تقول منظمة اليونسكو أن 90 بالمئة من قتلة الصحفيين لم يتم معاقبتهم في العالم حتى تاريخ 2006 - 2018 ، وقد أُغتيل في هذه الفترة من الصحفيين في العالم 1109 ، وأعتقد أن الرقم هو أكبر من هذا بكثير ولأن هناك الكثير من القتلة في الظلام والكثير ممن يُنسب فاعل الجريمة لمجهول ، والكثير ممن تُبرمج وفياتهم على شكل حوادث مرورية أو حالات الغرق والسقوط أو الإنتحار حتى تصبح صعبة التفكيك على الرأي العام العالمي مثل حادثة إغتيال خاشقجي .أشار تقرير اليونيسكو أن إغتيالات الصحفيين قد إزدادت بنسبة 18 بالمئة في العالم ما بين سنة 2014 - 2018 بالمقارنة مع السنوات الخمسة التي قبلها .

لقد أخذت الدول العربية حصة الأسد في إغتيالات الصحفيين فبلغت نسبة 13 بالمئة من الإغتيالات في العالم تليها أمريكا اللاتينية والكاريبي بنسبة 26 بالمئة ، ثم آسيا والمحيط الهادي 24 بالمئة .

وقد أشارت المديرة العامة لليونيسكو أُودري أزولاي بأن 2 نوفمبر هو اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب عن الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين ورفعت شعار (إبقو الحقيقة حية) ، ويستهدف هذا أيضاً المراسلين الأجانب في ساحات الحرب ، وتابعت مديرة اليونيسكو سنسلط الأضواء على الصحفيين المحليين الذين يعملون بقضايا الفساد السياسي وقد شكلو 93 بالمئة من وفيــــات الصحفيين خلال السنوات العشـــرة الأخيــرة .

إن إغتيال الأقلام الحرة في العراق قد أصبح شيئا نمطياً لكل الحكومات المستبدة ، وهذا لأن هذه الأقلام تعمل مثل (بروجكتر) ساطع على الحقائق التي لا يُراد لها أن تُرى أو تُسمع من قبل الرأي العام العالمي أو المحلي ، فهي لا تريد أن يرى العالم البيوت المهدمة والمدارس المحطمة والسيارات ذات الدخان الأسود والشوارع المحفورة وكأن حرباً عالمية قد مرت بها وأسلاك الكهرباء الممدودة بشكل عشوائي وكأنها خيوط العنكبوت في شوارع بغداد والمجاري الطافحة والقمامة والحيوانات النافقة ، وليرى العالم بأن هناك أكثر من 238 معملاً مغلقاً وأكثر من 2 مليون أرملة بلا معيل ، وأكثر من 6 مليون يتيم يهيم أكثرهم في الشوارع متسولين أو هم عمالة رخيصة وأحياناً بائعين للقمامة ، وإن سكتت الأقلام عن هذا فالكل يرى ويسمع والكل يعلم إن ما بيع من النفط منذ 2003 - 2006 هو يساوي أكثر من ألف مليار دولار والرقم في تصاعد ، وكل صحف العالم تعلم وتنطق ولا يمكن إسكاتها بكاتم صوت ، فبدل 600 شهيد كان يمكن أن نبني بأموال النفط 600 معمل ، وبدل 25 ألف جريح كان يمكن بناء 25 ألف مدرسة ، وبدل خمسة آلاف معوق وهو محصلة الأخيرة لمظاهرات تشرين كان يمكن بناء خمسة آلاف مستشفى ، وبدل 2800 معتقل كان يمكن أن يُبنى لشعب العراق الحزين النازف ساحات ومنتزهات ورياض أطفال .

حسب منظمة مراسلون بلا حدود أن العراق يقع في المرتبة 156 من 180 بلد في حرية الصحافة ، فهناك العديد من الأسماء المعروفة للصحفيين الذين إُغتيلوا بأيدي السلطة بعد 2003 أمثال أمجد الدهامات ، هشام الأعظمي ، احمد المهنا ، وحسب نقابة الصحفيين منذ 2003 أصبح عدد القتلى من الصحفيين العراقيين أكثر من 460 صحفي ، وكان آخر من أغتيل هما الصحفيين البصريين أحمد عبد الصمد وصفاء غالي .

وجوه صقيلة

إن الحسابات السلطوية تعطي الأولوية للعزيز الغالي ( النفط ) وليس مهماً نزيف الجسد العراقي.إن من يُدعون بحثالات الشعب لملابسهم الرثة ووجوههم الملونة بالدخان وبطونهم الخاوية هم أنظف وإرقى من الوجوه الصقيلة لصناع القرار ، وهؤلاء وإن أكلوا من بقايا الأغنياء ومن مزابلهم مضطرين وإن باتوا في العراء هم أصفى أصفياء هذا الوطن ، فقد وقفوا أمام الموت لأنهم لم يعرفوا الحياة منذ ولدوا وهم يعيشون الموت منذ سنوات ، يرونه بعيون أطفالهم وأمهاتهم وجيرانهم ، وهم لا خيار لهم إلا الموت دفعاً للموت البطيء ، وهم من سيضع الإسفين أمام نزيف الدم العراقي ، وستبقى مشكلتكم أبداً إنكم لن ولم تتصفحوا التاريخ جيداً .


مشاهدات 75
الكاتب ناهدة محمد علي
أضيف 2026/04/19 - 3:38 PM
آخر تحديث 2026/04/20 - 3:55 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 140 الشهر 16541 الكلي 15234614
الوقت الآن
الإثنين 2026/4/20 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير