الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الشرق الأوسط في الزمن الصفر.. جغرافيا الردع الإستئصالي وولادة النظام الجديد

بواسطة azzaman

الشرق الأوسط في الزمن الصفر.. جغرافيا الردع الإستئصالي وولادة النظام الجديد

كاظم نزار الركابي

 

تمثل التهدئة الحالية بين واشنطن وتل ابيب من جهة وطهران من جهة اخرى، استراحة تكتيكية، الغاية منها إعادة تلقيم البنادق، وتحديث بنك الأهداف، ذلك لأن دوي انفجارات الصواريخ بين الطرفين، الذي لم يعد يسمع، تجاوز حدود الهدنة العسكرية المؤقتة ليعلن دخول المنطقة والعالم أجمع حيز “الزمن الصفر” في الجغرافيا السياسية، ليعيد هندسة مناطق النفوذ وفق معطيات القوة الجديدة الناشئة من رحم الصراع. انتهى الشرق الأوسط القديم تماماً وبلا رجعة. يولد اليوم، من قلب هذا الاشتباك المباشر، نظام عالمي جديد وشرس، محكوم بعقيدة “الردع الاستئصالي”. حطمت هذه الحرب الشاملة عقيدة “الاعتماد المتبادل” الكلاسيكية التي روجت لها العولمة، وأحلت محلها منطق “السيادة الاحتكارية” المطلقة التي ترفض الشراكات الهشة وترفض القسمة على اثنين في إدارة توازنات القوة.

    ولعل من اهم ما يجب الاشارة اليه في هذا الصدد، ان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قال في احدى خطبه الأخيرة وبصراحة وقحة، ان العالم الذي كان محكوما طيلة خمسة الاف سنة، بالأديان والميثولوجيا قد انتهى، وبدأ نظام عالمي جديد، يحمكه المال والاعلام، وهذا العالم لا مكان فيه للقيم الانسانية، ولا تستغربوا اننا عينة من هذا النظام الجديد، مضيفا: انا لا يهمني ان يموت المصارع ، وما يهمني هو ان يكسب المصارع الذي راهنت عليه، وهذا يعني ان العالم الجديد لا يحتكم الى الاخلاقيات وانما الى المصالح.

    هذا الاعلان الصريح والفج اختصر كل المواجهة بين طرفي الحرب الأخيرة في منطقة الخليج العربي، الذي يعد اهم مناطق الشرق الأوسط.

انهيار الوكالات وصعود حقبة

الصدام الوجودي

أسقطت المواجهة الأخيرة ستراتيجية حروب الوكالة التي سادت لعقود طويلة، ودفعت بالقوى الإقليمية والدولية نحو الصدام السيادي المباشر والمكشوف وأثبتت الأشهر الماضية الفشل الذريع لسياسات الاحتواء الناعم والصبر الستراتيجي في توفير الحماية القومية للدول والمكتسبات.

تحولت أجواء بغداد ودمشق وبيروت ومنطقة الخليج العربي إلى مسارح مفتوحة ومستباحة لتبادل الرسائل الصاروخية والمسيرات الانتحارية الثقيلة. يمثل هذا الاستعراض النيراني المباشر فوق رؤوس العواصم الشاهد المادي الصارخ على سقوط خطوط الدفاع التقليدية وتلاشي الحدود السياسية أمام التكنولوجيا العسكرية.

انتقل الفعل العسكري بقوة غاشمة من استهداف الأطراف الجغرافية الرخوة إلى ضرب المراكز الحيوية والبنى الستراتيجية في العمق السيادي للدول، وسيغير هذا التحول الجذري مفهوم “النصر والهزيمة” في الأكاديميات العسكرية والسياسية؛ فالنصر اليوم يكمن حصراً في القدرة على توجيه ضربات استئصالية قاصمة تشل قدرة الخصم وتنزع قدرته على التعافي وإعادة الإنتاج، والهزيمة تتجسد في فقدان أدوات القوة وتعريض الجغرافيا الوطنية للانتهاك المفتوح والاستباحة اليومية.

موت المنظومات الدولية والإقليمية في قلب العاصفة

    أكدت مجريات الأحداث، الشلل التام للمنظومة الأممية وانهيار “النظام الدولي القائم على القواعد”. وتحول القانون الدولي إلى طيف أخلاقي باهت وعاجز تماماً عن توفير أدنى مستويات الحماية للكيانات الضعيفة وبات يشكل عجز مجلس الأمن الدولي عن إيقاف آلة الدمار المروعة، التوقيع النهائي والرسمي على شهادة وفاة المؤسسة الأممية والمواثيق الإنسانية العالمية.

رافق هذا الإخفاق الأممي سقوط مدو وكارثي للمنظومات الإقليمية التي أُسست لحماية الأمن القومي. تصدرت “جامعة الدول العربية” و”مجلس التعاون الخليجي” مشهد العجز التام والغياب المطلق عن التأثير في مجريات الأحداث وتوجيه بوصلة الصراع. وتحولت هذه الكيانات الإقليمية إلى هياكل بيروقراطية تصدر بيانات الشجب، فاقدة لأي قدرة على تشكيل درع جيوسياسي يحمي الجغرافيا من الافتراس الخارجي. غياب هذه المظلة القانونية والإقليمية يفرض واقعاً جيوسياسياً وحشياً، البقاء فيه للأقوى، والأمن القومي يُصنع بالحديد والنار والقدرات التكنولوجية الفائقة، بعيداً عن أروقة الدبلوماسية العقيمة.

أمن الممرات المائية وصعود اقتصاديات الخنادق

تتجاوز تداعيات “اليوم التالي” لهذه المواجهة الحدود العسكرية لتضرب العصب المالي والتجاري للعالم بأسره. تتجه الدول الكبرى بسرعة هائلة لتفكيك سلاسل التوريد العالمية، وبناء تكتلات اقتصادية مغلقة ومحصنة تؤسس لحقبة “اقتصاديات الخنادق”. ويتجلى هذا التحول المرعب في استخدام الممرات المائية كأدوات دمار شامل للاقتصاد المعولم.

برز (مضيق هرمز) كبؤرة الصراع الكوني ومحور الارتكاز الأخطر في هذه الحرب المفتوحة. يمثل تعطل هذا الشريان الحيوي وتوقف تدفق إمدادات الطاقة زلزالاً يضرب أسواق المال العالمية ويشل حركة التجارة، سيما بعد تحول المضيق في الحرب الأخيرة،  من ممر تجاري إلى ورقة ضغط جيواقتصادية تفرض شروطها بقوة الأمر الواقع، وتشكل نقطة محورية حاسمة في هندسة المفاوضات الإجبارية بين الأطراف المتنازعة. يثبت هذا الخنق الستراتيجي انتقال الصراع من تدمير الجيوش النظامية إلى تدمير خطوط الإمداد وشرايين الحياة الاقتصادية للأمم.

هذا ما كشف بنحو واضح وفاضح، ان الاكتفاء الذاتي في الغذاء والطاقة والتقنية، يمثل خط الدفاع الأول والأخير للأمم الحية. اندمج الأمن الاقتصادي كلياً مع الأمن العسكري ليشكلا جداراً واحداً لا يقبل التجزئة. الدول العاجزة عن تأمين رغيفها وسلاحها من مواردها الذاتية المستقلة ستتحول فوراً إلى رهائن رخيصة في أسواق المساومات الإقليمية، وتدفع ثمن تبعيتها المذلة من استقلال قرارها السياسي ومستقبل أجيالها.

متلازمة سيولة الدولة في العاصفة الكونية

تمثل متلازمة سيولة الدولة، في ظل هذا النظام العالمي الجديد والشرس، على الرغم من حداثته، الثغرة القاتلة التي تنهي الوجود الجغرافي للكيانات المأزومة. الكيانات الرخوة، الفاقدة لمركزية القرار والمليئة بالتقاطعات الولائية المتناقضة، لتتحول تلقائياً وبفعل قوانين الجاذبية السياسية إلى ساحات اختبار لتصفية الحسابات أو صناديق بريد دموية لتبادل الرسائل النيرانية بين الكبار.

يفضح عجز الحكومات عن حماية قادتها ومنشآتها الحيوية من الاختراقات الاستخبارية والضربات الدقيقة عمق هذه السيولة والانكشاف الستراتيجي المروع، ومن هنا تدشن الهدنة الحالية مرحلة “الوصاية الستراتيجية” الشاملة والإجبارية على المساحات الجغرافية التي تعجز عن حماية نفسها وامتلاك قرارها، فالخرائط الجديدة ترسم الآن في غرف المفاوضات المغلقة تحت وطأة التهديد الشامل بقوة الردع الاستئصالي، والدول السائلة، التي أدمنت ترحيل الأزمات وشراء الوقت، ستدفع الثمن باهظاً من مساحة جغرافيتها، وتماسكها المجتمعي، وثروات أجيالها القادمة.

حتمية “دولة القلعة” ومقصلة “الاستبدال التأريخي

يفرض التحدي الوجودي الحالي، ضرورة ولادة قيصرية لـ“دولة القلعة” شديدة التحصين والمنعة. وتتطلب هذه الدولة احتكاراً حازماً للسلاح، ومركزية صارمة في صناعة القرار الستراتيجي، وقطيعة تامة مع آليات المحاصصة التي تنتج الضعف البنيوي والارتهان المستمر للخارج.

الطبيعة تمقت الفراغ السيادي؛ استمرار النخب الحاكمة في ممارسة ترف الصفقات وتقاسم المغانم في وقت تعاد فيه هندسة العالم بالحديد والنار، يُفعّل بقوة قاهرة قوانين “الاستبدال التأريخي”، فالتأريخ البشري يسحق المترددين والعاجزين دون رحمة.

المقصلة التأريخية رُفعت اليوم لتنفيذ حكم الانقراض السياسي بحق كل مسؤول يتقاعس عن أداء واجبه المقدس في تحصين الدولة وإغلاق منافذ الاختراق وبناء مؤسسات ردعية قادرة على مواجهة طوفان اليوم التالي.

نخب القطيعة وإدارة “النهوض الحازم

يستوجب مخاض التأسيس الإجباري في هذا “الزمن الصفر” صعود القوى البديلة التي أسميناها في أدبياتنا السابقة بـ “نخب القطيعة التأريخية”، لأن هذه النخب الراديكالية الوطنية، تمتلك الإرادة الفولاذية اللازمة، والوضوح الستراتيجي القاطع، لإدارة عملية “النهوض الحازم” للدولة من تحت ركام الفشل، والتصدي لمهمة جراحية تتمثل في تصفير الأزمات البنيوية، وإعادة صياغة العقد الاجتماعي على أسس الواجبات السيادية الصارمة وحماية الأمن القومي المطلق.

    بقاء العراق، والدول المشابهة له في المنطقة، داخل معادلة التأريخ مشروط بقرار وطني خالص ينتزع المكانة انتزاعاً من بين فكوك القوى المتصارعة. الخيارات تلاشت بالكامل، والمساحات الرمادية احترقت. الانحياز الصارم لمشروع الدولة القوية، المحتكرة للسلاح والمالكة للقرار، هو مسار النجاة الأوحد من طوفان التقسيم والتسويات الإجبارية التي تُهندس الآن فوق رؤوس الكيانات الضعيفة.


مشاهدات 67
الكاتب كاظم نزار الركابي
أضيف 2026/04/13 - 3:46 PM
آخر تحديث 2026/04/14 - 8:56 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 337 الشهر 11439 الكلي 15229512
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/4/14 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير