إيران واستراتيجية الإستنزاف
صادق حسن العمري
في كل مرة يطرح فيها نقاش حول الحروب والصراعات يبرز خطاب يميل إلى التبسيط المخل وكأن الحسم العسكري مسألة تفوق مباشر في العتاد والقوة فقط. هذا الطرح رغم انتشاره يتجاهل دروس التاريخ القريب والبعيد ويختزل تعقيدات الصراعات الحديثة في معادلة ضيقة لا تعكس الواقع.
إن الافتراض بأن التفوق العسكري كفيل بحسم الحروب أثبت مرارًا أنه غير دقيق فالتجارب التاريخية تشير إلى عكس ذلك إذ لم تتمكن قوى عظمى تمتلك قدرات عسكرية هائلة من تحقيق حسم نهائي في نزاعات خاضتها ضد أطراف أقل تسليحًا والسبب لا يكمن في نقص القوة بل في طبيعة الحروب نفسها التي تحولت من مواجهات تقليدية مباشرة إلى صراعات مركبة تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والاقتصادية والنفسية والسياسية.
في هذا السياق تتضح ملامح نمط جديد من إدارة الصراع يعتمد على الاستنزاف طويل الأمد بدل الحسم السريع فبدل السعي إلى مواجهة تقليدية مفتوحة يتم التركيز على إطالة أمد الصراع ورفع كلفته على الخصم وإرباكه عبر أدوات متعددة لا تقتصر على السلاح التقليدي. وتشمل هذه الأدوات الضغط الاقتصادي والتأثير النفسي واستخدام نقاط الاختناق الحيوية في الجغرافيا إضافة إلى توظيف الحلفاء والشركاء بطرق غير مباشرة.
ومن هنا فإن الحديث عن أدوات مثل الممرات البحرية أو القدرات الصاروخية أو التحالفات الإقليمية لا ينبغي أن يُفهم باعتبارها وسائل حسم فوري بل كعناصر ضمن استراتيجية أوسع هدفها التعطيل وإعادة تشكيل موازين القوة تدريجيًا. هذه الأدوات ترفع تكلفة المواجهة وتفرض على الطرف الآخر حسابات معقدة تجعل من قرار التصعيد أو الاستمرار في الصراع أكثر صعوبة.
وعليه فاننا أمام مشهد لا يحسم بضربة واحدة وانما يتشكل عبر الزمن صراع مفتوح تتداخل فيه العوامل وتقاس نتائجه ليس فقط بما يتحقق في ساحة المعركة ولكن بما يترتب عليه في الاقتصاد والسياسة والرأي العام وقدرة كل طرف على الصمود والاستمرار.
في النهاية لا يكون الحسم حكرًا على من يمتلك القوة الأكبر بل على من يحسن إدارتها ويملك النفس الطويل والقدرة على التكيف مع متغيرات الصراع فالحروب الحديثة لم تعد اختبارا للقوة وحدها وإنما اختبارا للإرادة والمرونة والذكاء الاستراتيجي