نقطة ضوء
حراب السكوت عن الضيم؟
محمد صاحب سلطان
من المتعذر أن يكون الأمر مجرد صدفة، هذا الذي أتحدث عنه، فالعالم اليوم يمور بإحداث ساخنة ومواقف متناقضة، تضللها سحابات دخان الحروب، وصراعات التنافس غير المشروع ووحدات التسلط والهيمنة ،بين أطراف إطارها سياسي وجوهرها شعوب محتقنة، تبحث عن من يرعى مصالحها ويهتم بأمنها ويحفظ كرامتها، ويؤمن لها قدرا من حرية الأمان نحو مستقبل ما زالت طلائعه مجهولة، يتحسسونه ولا يلمسونه، فالكل مجمع على إكتناز القطعة الكبيرة من كعكة الغنيمة التي يراد إقتسامها من دون حق أو عدل، سواء أكانت في أوقات الرخاء أو الشدة، أو في إضطراب الأحوال في البلدان المبتلية بتقاطعات السياسة، والفردية وضيق الأفق ونزعة الغرور والتسلط، وخير مثال هذا الكابوي المتغطرس، المتمسك بدور الراعي الحازم الذي لا يحب الخراف التي يأخذها فضولها بعيدا عن القطيع، أما تلك الأكثر خضوعا وإغراءا، فقد يسمح لها أن تعيش أطول وأن تتكاثر، محققا بذلك قطيعا من الخراف المستأنسة والخاضعة لسلطته، بإنتظار بيعها أو ذبحها متى يشاء!، يمسك بيد هذا الكابوي، سيده الصهيوني، موزعا قنابله العنقودية على جثث الأطفال في كل مكان تصل إليه يده الآثمة، غير آخذ بنصيحة الأمير (تاليران) الفرنسي الذي بدأ حياته المهنية المتلونة كالحرباء، تحت أمرة لويس السادس عشر، ثم خدم في وقت لاحق في نظام نابليون، وبدل ولاءاته مع الوقت لينهي أيامه في خدمة الملكية المستعادة، الذي لخص عقودا من الخبرة بالقول (يمكنك أن تفعل أشياءا كثيرة بالحراب، لكن من غير المريح أن تجلس عليها)!، وهذا ما سيفعل به في قادم الأيام، إذا ما صحت الإنسانية من سبات نومها الطويل، لتغسل عار السكوت عن الضيم، مستحضرين واقعة زيارة الأسكندر الأكبر للفيلسوف اليوناني (ديوجين)، وكان الأخير مستلقيا تحت أشعة الشمس، وسأله عما إذا كان يرغب بأي خدمة، أجابه قائلا: (نعم أرغب في خدمة، رجاءا تحرك إلى الجانب، فأنت تحجب أشعة الشمس عني)،، نعم الحرية هي التي تبعد المخاوف حول المستقبل، وهي التي تؤدي دورا رئيسيا على مسرح العقل البشري، سواء أكانت دوله متقدمة أم من العالم المتطلع نحو التقدم. ولإجل ذلك لم تكن صدفة أن يصور البعض من المتحكمين برقاب الناس، أنفسهم كالرعاة، ويشبهوا تسلطهم، برعاية الراعي لقطيعه، أو مربي الدواجن الذين يهمهم نتائج التسمين من دون مراعاة نوعه -كيميائيا أو طبيعيا- ومهما كانت مدة صلاحيته ومقدار فائدته لمشتريه، ما داموا مقتنعين بمقولة (لم الإستمرار في إطعام ديك لثلاث سنوات إذا كان قد وصل إلى وزنه الأقصى في عمر ثلاثة أشهر)!!.. فيما المساكين من البسطاء ينتظرون الفرح كما ينتظر الصغار أول بائع سكاكر يفتح دكانه صباح العيد.
خلاصة القول، أستعيرها مما قاله الأديب الساخر محمد الماغوط قبل أكثر من خمسين عاما، في لحظة تفجر غضبه عما جرى، في شهادة فاجعة، صادقة، على مرحلة مظلمة من حياة العرب، وما أشبه اليوم بالبارحة، بقوله (هل هنالك طبيب أنف أو عيون أو حنجرة، يفسر لنا سر بعض المآقي التي تظل مغمضة أياما وليالي عن الرشوة والفساد والجشع في هذه الدائرة أو تلك، وما أن تشم أو ترى كلمة نقد حرة، حتى تفتح فجأة وتصير بأستدارة زر المعطف دهشة وأستنكارا، ثم هل هنالك أولا وأخيرا من يدلني بطرف إصبعه على جذور الخوف من الحرية، وفي أية غابة؟ وفي أي حرش؟ ومن يرويها ويسمدها كالزنبق والأضاليا، لإذهب إليها وأرعاها كالماعز الجبلي).. والسلام!