رسالة من قلب جبال كردستان
كارزان حيدر
لقد ربطنا التاريخ والجغرافيا معا في هذه المنطقة، ولكن من أجل تحقيق تعايش سلمي وسليم، لا بد لنا من معرفة بعضنا البعض بعمق. إن الشعب الكردي هو أحد أعرق شعوب الشرق الأوسط، ونحن أصحاب تاريخ كُتب بألم وتضحيات منقطعة النظير، نحن لسنا ضيوفا على هذه الأرض، بل إن جذورنا تضرب في أعماق هذه الجبال والسهول منذ آلاف السنين، لم يكن نضالنا على مر التاريخ من أجل احتلال أراضي أي شعب آخر أو سلب حقوق الآخرين، بل كان دوما وأبدا من أجل الدفاع عن وجودنا ولغتنا وهويتنا.
وإذا ما قلبنا صفحات القرن الماضي، سنجد أن الكرد قد دفعوا ثمنا باهظا في سبيل الحرية، ففي العراق وحده، وخلال عمليات الأنفال، دُفن أكثر من 182000 إنسان كردي بريء وهم أحياء، بينهم نساء وأطفال وشيوخ، وفي فاجعة حلبجة، وفي غضون دقائق معدودة، اختنق 5000 مدني بالأسلحة الكيميائية، كما شُردت مئات الآلاف من العائلات، ودُمرت أكثر من 4500 قرية بالكامل، إن هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات مدونة على الورق، بل هي دماء أجدادنا وأطفالنا التي أُريقت على أرض آبائهم وأجدادهم.
لقد حان الوقت لأن تنظر الشعوب العربية في المنطقة والعراق إلى القضية الكردية بعقل منفتح، وبعيدا عن الخطاب المضلل للأنظمة الدكتاتورية، لقد سعت الأنظمة المتعاقبة دوما إلى تقديم صورة مشوهة ومغلوطة عن الثورات الكردية للعالم العربي، وحاولت تصوير نضالنا المشروع على أنه إثارة للفوضى، غير أن الحقيقة هي أننا لسنا أعداء للأمة العربية ولم نكن كذلك في أي يوم من الأيام، فحينما كانت الأنظمة القمعية تسلب العرب حريتهم، كانت جبال كردستان ملاذا آمنا لكل المناضلين الأحرار من العراق والمنطقة، دون أي تمييز قومي.
وفي التاريخ القريب، وحينما اجتاحت أعتى قوى الظلام والإرهاب منطقتنا، هب أبناء الشعب الكردي للدفاع عن القيم الإنسانية بدمائهم، لقد قدمنا آلاف الشهداء والجرحى من أجل حماية سائر مدن العراق والمنطقة من براثن الإرهاب، وفي هذا السبيل، شكلت قوات البيشمركة درعا فولاذيا لحماية أرواح جميع المكونات من عرب ومسيحيين وتركمان وغيرهم من الأقليات، وهذا دليل قاطع لا يقبل الشك على أن الشعب الكردي كان ولا يزال عامل أمن واستقرار وسلام.
إن استيعاب تضحيات الكرد ومعاناتهم هو تجسيد حقيقي لفهم مبادئ حقوق الإنسان والعدالة، نحن شعب لا يطالب بشيء سوى حقوقه الطبيعية التي وهبها الله له، جل ما نريده هو أن نتحدث بلغتنا وأن نعيش أحرارا على أرضنا.
لنجعل من التاريخ الدموي للماضي عبرة ودرسا لبناء مستقبل نحترم فيه إرادة بعضنا البعض، وإلى أن يحل اليوم الذي يُعترف فيه بالحقوق المشروعة للشعب الكردي اعترافا تاما وتُضمد فيه جراحه، فإن الشرق الأوسط لن يشهد أمنا واستقرارا حقيقيين.
إن إرادة الحياة لن تموت أبدا في قلب الشعب الكردي، فالشعب الذي يستعد لتقديم كل هذه التضحيات الجسام في سبيل أرضه وكرامته، لا يمكن لأي قوة على وجه الأرض أن تركعه، إن تعايشنا المشترك لن يتحقق ويُضمن إلا إذا بُني على أساس من الأخوة الصادقة والاعتراف المتبادل بالوجود والحقوق.