الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
جريمة الرشوة في التشريع الجنائي العراقي

بواسطة azzaman

جريمة الرشوة في التشريع الجنائي العراقي

عماد يوسف خورشيد

 

أولا: تمهيد:

أُنشِئت المؤسسات الحكومية لتقديم الخدمات وتسهيل اجراءات الحياة للناس، ومعلومٌ أنها تعتمد على المال العام، والوظيفة العامة، وهذه الاخيرة قد تتعرض الى استغلال وتخرج المؤسسات الحكومية عن غايتها من خلال المتاجرة بها.

فالثابت في القانون ان الوظيفة العامة هي: تكليفٌ وطنيٌّ هدفه تقديم خدمة عامة للمواطنين في شتى المجالات، وتُدار من قبل الموظفين الذين يتقاضون رواتبهم من خزينة الدولة. وفي حال حصول مقابلٍ للخدمة المقدَّمة، فإن الفعل يشطّ عن جادّة الصواب ويُعدّ خروجاً على غاية الوظيفة العامة. وبناءً على ما تقدّم، نرتئي في هذا المقام بيانَ إحدى صور الفساد الإداري، ألا وهي جريمة الرشوة، بشكلٍ موجز وسهل الفهم، وفق التقسيم الآتي:

ثانيًا- تعريف جريمة الرشوة:

هي قيام الموظف أو المكلف بخدمة عامة بالاتجار بالوظيفة العامة، من خلال طلب، أو قبول عطية، أو منفعة، أو وعدٍ بذلك، لأداء عمل من أعمال وظيفته، أو الامتناع عنه، أو الإخلال بواجباته.

خدمة عامة

ثالثاً- الأساس القانوني لجريمة الرشوة:

نظمت أحكام الجريمة المواد (307 إلى 314) من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969المعدل النافذ.

رابعًا: أركان جريمة الرشوة:

1- الركن المادي: يقصد بالركن المادي في جريمة الرشوة الفعل الصادر من الموظف الذي عده المشرع سلوكاً إجرامياً. والتي تتمثل في: طلب الموظف أو المكلف بخدمة عامة من الشخص المقابل عطية أو ميزة أو منفعة أو وعدٍ بها، وتنهض مسؤوليته الجنائية بمجرد الطلب دون الحاجة إلى موافقة من المقابل، وهذا أخطر صور الركن المعنوي كونها العبث بواجبات الوظيفة. والصورة الثانية تتمثل في قبول عرض رشوة مقدمة من المقابل دون انتظار تنفيذ ما وعد به للموظف، فَعِلّة التجرّيم تكمن هنا في نية المتاجرة بالوظيفة العامة. والصورة الأخرى تتمثل في أخذ ما تقدّم من المقابل. وكذلك طلب المكافأة بعد إتمام العمل أو بعد الامتناع عنه، أو بعد الإخلال بواجبات الوظيفة. وصور الرشوة قد تكون مالاً أو عقاراً أو وعداً بمنفعة أو ميزة أو عطية في المستقبل وهي تأخذ صوراً متعددة كثيرة، وتبقى قناعة المحكمة في تجريم السلوك من عدمه بناءً على الركن المعنوي الآتي بيانه والأدلة المطروحة أمام المحكمة.

2- الركن المعنوي: جريمة الرشوة من الجرائم العمدية، بمعنى أن يتوفر في نفس الموظف القصد الجرمي والمتمثل بانصراف إرادته إلى ارتكاب إحدى صور الركن المادي أعلاه، وفضلاً عن ذلك، أن يكون الموظف عالماً بتوجه إرادته الى ارتكاب الفعل الجرمي بقصد مقابل عمل أو امتناع عن عمل مما يدخل في وظيفته أو يزعم أو يعتقد خطأً أنه داخل فيها.

وبذلك لا تنهض جريمة رشوة إذا دس في درج الموظف مبلغ من المال على غير علم منه به، أو في حالة أنه يأخذ ديناً له في ذمة صاحب الحاجة. للتفاصيل أكثر انظر (د. فخري عبد الرزاق صلبي الحديثي، شرح قانون العقوبات القسم الخاص، مطبعة الزمان بغداد، 1996، ص 73-78).

خامساً: عقوبة جريمة الرشوة:

يتطلب البدء في شرح الموضوع توضيح مدد العقوبات ومعانيها في قانون العقوبات، بما يجعل الفهم أكثر وضوحًا ويسرًا، خاصةً وأننا نعرضه على موظفين من مختلف التخصصات، وكذلك على المهتمين بالشأن القانوني، وعلى النحو الآتي:

الثابت أن عقوبة السجن المؤبد هي: إيداع المحكوم عليه في إحدى المنشآت العقابية المخصصة قانونًا لمدة عشرين سنة.

أما السجن المؤقت فيكون من خمس سنوات إلى خمس عشرة سنة، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك. والحبس نوعان: الحبس الشديد: لا تقل مدته عن ثلاثة أشهر ولا تزيد على خمس سنوات. الحبس البسيط: يكون من أربع وعشرين ساعة إلى سنة واحدة، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك. (المواد 87-89 ق. ع. ع).

أما عقوبة الغرامة فهي: إلزام المحكوم عليه بأن يدفع إلى الخزينة العامة المبلغ المعين في الحكم، وتراعي المحكمة ظروف أطراف الدعوى الاجتماعية والمالية حسب الأدلة المطروحة (المادة 91 ق. ع. ع).

وفيما يأتي نعرض عقوبة جريمة الرشوة وعلى النحو الاتي:

1- يعاقب الموظف بالسجن مدة لا تزيد على عشر سنين أو بالحبس والغرامة على أن لا تقل عما طلب أو أعطي أو وعد به. انظر: (المادة 307/ 1 ق. ع. ع).

2- وتكون العقوبة السجن مدة لا تزيد على سبع سنوات أو بالحبس إذا حصل الطلب أو القبول أو الأخذ بعد أداء العمل أو الامتناع عنه أو بعد الإخلال بواجبات الوظيفة بقصد المكافأة على ما وقع من ذلك. انظر: (المادة 307/ 2 ق. ع. ع).

3- وفي حال ارتكب الموظف إحدى صور الركن المادي في عمل لا يدخل في أعمال وظيفته ولكنه زعم ذلك أو اعتقد خطأً يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على سبع سنوات أو الحبس والغرامة على أن لا تقل عما طلب أو أعطي أو وعد به. انظر (المادة 308 ق. ع. ع).

4- والعقوبات الثلاث التي ذكرت فيما تقدم تسري على الموظف في حال كان يقصد عدم قيامه بالعمل أو عدم الامتناع عنه وعدم الإخلال بواجبات وظيفته. انظر (المادة 308 ق. ع. ع).

عرض رشوة

5- يعاقب بالحبس أو بالغرامة كل من عرض رشوة على موظف أو مكلف بخدمة عامة ولم تقبل منه. انظر (المادة 313 ق. ع. ع).

6- يعاقب الراشي والوسيط بالعقوبة المقررة قانوناً للراشي.

7- إضافة إلى العقوبات أعلاه، يصدر حكم بمصادرة العطية أو الميزة أو العطية... الخ.

8- متى يكون الإعفاء من عقوبة جريمة الرشوة؟ يعفى الراشي أو الوسيط من العقوبة إذا بادر بإبلاغ السلطات القضائية أو الإدارية بالجريمة أو اعترف بها قبل اتصال المحكمة بالدعوى. ويعتبر عذراً مخففاً إذا وقع الإبلاغ أو الاعتراف بعد اتصال المحكمة بالدعوى وقبل انتهاء المحاكمة فيها. انظر (المادة 311 ق. ع. ع).

وقبل الختام، تجدر الإشارة إلى أن سيدنا ونبينا محمدًا نبي الرحمة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم نهى عن أخذ الرشوة، لمنع انتشار الفساد بين الناس. نذكر واقعةً تجسّد ذلك: قام سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم على المنبر وقال : «ما بال عاملٍ أبعثه فيقول : هذا لكم وهذا أُهدي لي ! أفلا قعد في بيت أبيه أو في بيت أمه حتى ينظر أيُهدى إليه أم لا ؟ والذي نفس محمد بيده ، لا ينال أحد منكم منها شيئـًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه ، بعير له رغاء ، أو بقرة لها خوار ، أو شاة تيعر». وفي حديث آخر قال: «لعن الله الراشي والمرتشي والرائش: الذي يمشي بينهما». ويقصد باللعن هو الطرد والإبعاد من رحمة الله وتوفيقه.

سادسًا: الخاتمة:

الوظيفة العامة هدفها تقديم الخدمات للمواطنين، ولا يجوز استغلالها لتحقيق منافع شخصية، وقد جُرِّمت الرشوة لحماية نزاهتها. لذا تبرز ضرورة قيام مؤسسات الدولة بتوعية الموظفين حديثي التعيين وغيرهم من خلال الدورات والندوات القانونية للوقاية من الوقوع في هذه الجريمة؛ لأن الجهل بالقانون لا يُعدّ عذراً للإعفاء من المسؤولية.

 

 الجامعة التقنية الشمالية

 


مشاهدات 31
الكاتب عماد يوسف خورشيد
أضيف 2026/04/02 - 1:12 AM
آخر تحديث 2026/04/02 - 2:38 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 97 الشهر 1037 الكلي 15219110
الوقت الآن
الخميس 2026/4/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير