قانون إعدام الأسرى في إسرائيل.. ردع مزعوم أم عقاب سياسي؟
محمد علي الحيدري
لم يكن إقرار الكنيست الإسرائيلي تشريعًا يسمح بإنزال عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين مجرد خطوة قانونية عابرة، بل محطة كاشفة في مسار سياسي يتجه باطراد نحو إعادة تعريف العدالة بوصفها أداة للسيطرة، لا قيمة معيارية محايدة. فالقانون، في جوهره، لا يُقاس بنصوصه المجردة، بل بالسياق الذي يُطبَّق فيه، وبالمنظومة التي تحكم تنفيذه، وبالنتائج التي يُفضي إليها.
تُبرِّر الحكومة الإسرائيلية هذا التشريع بمنطق الردع، باعتباره وسيلة لوقف العنف وحماية الأمن. غير أن هذا الادعاء يصطدم بحقيقة تاريخية وسياسية ثابتة: لم تُثبت عقوبة الإعدام، في أي نزاع ذي طابع سياسي أو وطني، قدرتها على إنهاء الصراع أو تقليص دوافعه. بل غالبًا ما تتحول إلى عامل تصعيد، يُعمِّق الإحساس بالظلم، ويغذّي دوائر الغضب واليأس.
المعضلة الأساسية في هذا القانون لا تكمن فقط في قسوته، بل في طبيعته الانتقائية. فالأسرى الفلسطينيون الذين قد يُواجهون هذه العقوبة يُحاكمون في معظم الحالات أمام محاكم عسكرية، ضمن نظام قانوني استثنائي، يختلف جذريًا عن النظام المدني الذي يُحاكم بموجبه الإسرائيليون. هنا، لا يكون القانون تعبيرًا عن مساواة أمام العدالة، بل تكريسًا لازدواجية قانونية تقوم على الهوية والانتماء.
اعدام الاسرى
الأخطر أن إعدام الأسرى، بوصفهم أشخاصًا فقدوا حريتهم وأصبحوا تحت السيطرة الكاملة للدولة، ينقل العقوبة من إطار الردع إلى إطار العقاب السياسي. فالدولة، في هذه الحالة، لا تعاقب فعلًا قائمًا بقدر ما توجّه رسالة جماعية، مفادها أن الصراع لن يُدار بقواعد قانونية متوازنة، بل بمنطق الغلبة. وهذا ما يُفرغ مفهوم العدالة من مضمونه، ويحوّلها إلى امتداد للمعركة بوسائل تشريعية.
من منظور القانون الدولي، تزداد الإشكالية تعقيدًا. فالأسرى الفلسطينيون يُعدّون، وفق قراءات قانونية واسعة، جزءًا من سكان واقعين تحت الاحتلال، ما يفرض على السلطة القائمة بالاحتلال التزامات خاصة، لا سيما في ما يتعلق بحماية الحق في الحياة وضمان المحاكمات العادلة. وعليه، فإن تشريع الإعدام في هذا السياق لا يبدو فقط متعارضًا مع الاتجاه العالمي المتصاعد نحو إلغاء العقوبة، بل متصادمًا مع المبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام القانوني الدولي.
سياسيًا، يعكس القانون انزلاقًا متزايدًا نحو الشعبوية العقابية داخل إسرائيل، حيث تُستخدم التشريعات القاسية لتهدئة الداخل، وتحصين الائتلافات الحاكمة، حتى وإن كان الثمن مزيدًا من العزلة الدولية وتآكل الصورة الأخلاقية للدولة. فالقوانين التي تُسنّ تحت ضغط الغضب والخوف نادرًا ما تصنع أمنًا مستدامًا، لكنها غالبًا ما تترك ندوبًا عميقة في بنية المجتمع والصراع معًا.
في المحصلة، لا يبدو قانون إعدام الأسرى في إسرائيل خطوة باتجاه العدالة أو الأمن، بقدر ما هو تعبير عن مأزق سياسي عميق، يُستعاض فيه عن الحلول بأقصى درجات العقاب. وبين ردعٍ لا يتحقق، وعدالةٍ تُفرَّغ من معناها، يبقى الأسرى الفلسطينيون في قلب معادلة تستخدم القانون غطاءً، بينما جوهرها صراع مفتوح لم يُرِد أحد بعدُ الاعتراف بجذوره الحقيقية.