الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
نحن لا نعيش التناقض بل نديره بإحتراف

بواسطة azzaman

كيف تحوّل الخلل إلى نظام مستقر ؟

نحن لا نعيش التناقض بل نديره بإحتراف

أسامة أبو شعير

 

في العراق، لا يبدأ اليوم بالأخبار، بل بالشكوى. الشكوى من الحال، وضنك العيش، وغلاء المعيشة، وسوء الأوضاع الاقتصادية والسياسية. تُقال بإخلاصٍ كامل، حتى صارت جزءًا من اليوم، لا حدثًا طارئًا عليه. لكننا، بعد هذا التمهيد الخطابي المتقن، نخرج إلى مطاعم مزدحمة، وشوارع مليئة بسيارات فارهة، وأنماط استهلاك لم تكن مألوفة بهذا الاتساع. هنا لا يظهر التناقض بوصفه خللًا فرديًا، بل كجزء من مشهد أوسع يجمع بين خطاب الفقر وممارسة الرفاه، في مسافة باتت تُدار أكثر مما تُحل، حتى غدا التناقض نمطًا مألوفًا لا يثير الدهشة.

غير أن هذا المشهد ليس واحدًا كما يبدو. فالعراق لا يعيش تناقضًا واحدًا، بل تناقضات متعددة تتحرك عبر طبقات مختلفة: نخبة تدير التناقض وتستفيد منه، وطبقة وسطى تحاول مجاراته ولو على حساب استقرارها، وطبقات أقل دخلًا تعيش نتائجه دون أن تظهر في صور الرفاه. لذلك، فإن ازدحام المطاعم لا يلغي الفقر، بل يخفي توزيعه غير المتكافئ، ويمنح انطباعًا مضللًا بأن الجميع يشارك في نفس المشهد، بينما الحقيقة أكثر تعقيدًا وتشابكًا.

دولة ريعية

لفهم هذا التعقيد، لا بد من العودة إلى الجذور. فالعراق لم يتشكل فقط كاقتصاد يعاني، بل كنموذج دولة ريعية بُني على توزيع الموارد لا إنتاجها. لم يتأسس على عقد ضريبي واضح بين المواطن والدولة، بل على معادلة مختلفة: النفط مقابل الاستقرار. وفي مثل هذا النموذج، لا يصبح طلب الخدمات مقابل الدفع قاعدة، بل استثناءً، ولا يُنظر إلى الدولة كشريك في الإنتاج، بل كمصدر توزيع. لذلك، حين نرفض الضرائب ونطالب بالخدمات، فنحن لا نمارس تناقضًا أخلاقيًا بقدر ما نعيد إنتاج منطق ترسّخ طويلًا في بنية العلاقة بين الدولة والمجتمع. لكن هذا التفسير يبقى ناقصًا دون إدراك أثر التاريخ القريب. فسنوات الحصار (1990–2003) لم تُفقِر المجتمع فقط، بل أعادت تشكيل سلوكياته وأولوياته. ثم جاءت مرحلة ما بعد 2003 لتضعف الدولة وتُربك قواعدها، وتفتح المجال أمام أنماط جديدة من الاقتصاد غير الرسمي والعلاقات الزبائنية. في هذا السياق، لم يعد التحايل مجرد خيار، بل أصبح أحيانًا وسيلة للبقاء. ومع الوقت، تحولت هذه الوسائل من استثناء اضطراري إلى ثقافة يومية تُكافأ ضمنيًا في بيئة لا تكافئ الالتزام بنفس القدر، فتتشكل منظومة قيم مزدوجة تتعايش مع نفسها دون صدام.

لذلك، حين نشتكي من الفقر ونمارس الاستهلاك، أو نلعن الفساد ونبحث عن “واسطة”، فنحن لا نعبّر فقط عن خلل في القيم، بل عن تكيّف طويل مع نظام يكافئ المناورة أكثر مما يكافئ الامتثال. حتى علاقتنا بالدولة تعكس هذا التوتر: نريدها قوية حين نحتاجها، وغائبة حين تُحاسبنا، ونطالب بالوظيفة والراتب دون التقييم أو الإنتاجية، وننتقد ميزانية الرواتب ثم نغضب حين لا تتوسع.

وكلما اهتزت المنطقة، كما نعيشه اليوم مع تصاعد الصراع المرتبط بإيران، لا يظهر الأثر في العناوين فقط، بل في تفاصيل الحياة اليومية؛ من انقطاع الكهرباء نتيجة توقف إمدادات الغاز، إلى تعثر الصادرات النفطية مع اختناق الممرات البحرية، إلى اضطراب التجارة والاقتصاد غير الرسمي، وصولًا إلى تذبذب الأسعار وثقة السوق. عندها نكتشف أن نموذجًا يعتمد على الخارج في استقراره، لا يملك أدوات الصمود حين تهتز البيئة من حوله، بينما لا يزال الاقتصاد ريعيًا لم يُبنِ صناديق سيادية كافية، ولا اعتمادًا ذاتيًا حقيقيًا، ولا قطاعًا خاصًا قادرًا على استيعاب الأزمات، فتبقى الدولة عالقة في ما يمكن تسميته “اقتصاد الاستقرار السلبي”، الذي يعيش على التوازنات لا على الإنتاج، ويؤجل الأزمات بدل أن يعالجها.

وفي التعليم، تتكرر المفارقة. ننتقد مخرجاته، لكننا نعيد إنتاج نفس الطلب على الشهادة لا المهارة، فنصبح جزءًا من المشكلة التي نصفها، ونطلب من منظومة لم نمنحها شروط الجودة أن تُنتج نتائج مختلفة، فيستمر الخلل عبر الأجيال لا كحادثة، بل كمسار.

حقيقة مهمة

ومع ذلك، يكشف سلوك العراقي خارج هذا السياق حقيقة مهمة. في الخارج، يلتزم بالقانون ويحترم النظام، لا لأن قيمه تغيّرت، بل لأن البيئة مختلفة: قواعد واضحة، تطبيق عادل، وثقة نسبية بالمؤسسات. وهذا يطرح سؤالًا جوهريًا: هل المشكلة في الفرد، أم في تصميم النظام الذي يحدد كيف يتصرف الأفراد؟تجارب دول أخرى تُظهر أن التحول ممكن. في جورجيا مثلًا، لم يكن التغيير في الخطاب، بل في التفاصيل الصغيرة: جباية إلكترونية تقلل الاحتكاك المباشر، أنظمة تربط الدفع بالاستهلاك، ومنصات شفافة تُظهر أين تذهب الإيرادات. هذه الخطوات لم تُنهِ التناقض فورًا، لكنها بدأت بتقليصه تدريجيًا، عبر تغيير قواعد اللعبة لا فقط خطابها.ومع ذلك، ليس هذا كل العراق. هناك عراق آخر يعمل بصمت، يلتزم حين يستطيع، ويرفض الواسطة رغم كلفتها، ويدفع ثمن الصدق في بيئة لا تكافئه دائمًا. هذا العراق لا يظهر كثيرًا، لكنه موجود، وهو ما يبقي فكرة الدولة ممكنة رغم كل التحديات.

وهكذا، لا يسير العراق في فوضى، بل ضمن نظام مستقر بطريقته الخاصة؛ نظام يقوم على التكيّف الجماعي وتأجيل الأزمات، مدعومًا بشبكات غير رسمية تعيد توزيع الموارد، وعلاقات زبائنية تمتص الصدمات، واقتصاد موازٍ يملأ فراغ الدولة حين تغيب، وهو ما يمكن فهمه ضمن “نظرية الاستقرار السلبي”، حيث تستمر الأنظمة لا بحل أزماتها، بل بإدارتها وتأجيلها. لكن السؤال لم يعد: هل هذا تناقض؟ بل: كيف أصبح مستقرًا، ولماذا يستمر رغم كلفته؟

كسر هذه الحلقة لا يبدأ بلوم الذات فقط، بل بإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع من علاقة ريعية إلى علاقة تعاقدية: خدمات مقابل التزام، حقوق مقابل واجبات. غير أن هذا التحول لا يواجه تحديًا تقنيًا فقط، بل سياسيًا أيضًا، إذ تصطدم محاولات الإصلاح بشبكات مصالح اعتادت الاستفادة من هذا التوازن الهش، ما يجعل التغيير ليس مجرد قرار، بل إعادة توزيع ضمنية للكلفة والمكاسب. ومع ذلك، تبقى هذه الشبكات قابلة للتآكل حين تتقاطع ضغوط الوعي المجتمعي، والأدوات المؤسسية، والظروف السياسية أو الاقتصادية.وقد يبدأ هذا التحول من قطاعات محدودة يمكن قياسها، مثل الكهرباء أو الخدمات البلدية، حيث يصبح الربط بين الدفع وجودة الخدمة واضحًا وقابلًا للمساءلة. كما يتطلب إعادة إدارة الإيرادات النفطية عبر الشفافية، وبناء صناديق سيادية فاعلة، وفصلها عن الإنفاق الجاري، لتوجيه الريع نحو الاستثمار لا الاستهلاك، وتحويله من أداة استقرار مؤقت إلى أساس لتنمية مستدامة.ربما لا يبدأ التغيير بثورة، بل بتحوّل في القواعد، وبيئة تسمح للفرد أن يلتزم دون أن يُعاقَب، وأن يختار الطريق الصحيح دون أن يخسر. عندها فقط، قد يتحول التناقض من مهارة نُتقنها… إلى مرحلة نتجاوزها.

إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ

الرعد:11

خبير اقتصادي ومستشار دولي في التعليم والتنمية

 

 


مشاهدات 56
الكاتب أسامة أبو شعير
أضيف 2026/03/31 - 11:41 PM
آخر تحديث 2026/04/01 - 1:38 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 100 الشهر 100 الكلي 15218173
الوقت الآن
الأربعاء 2026/4/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير