الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الأديان .. الشجرة والأغصان 

بواسطة azzaman

الأديان .. الشجرة والأغصان 

عبد الحسين شعبان

 

في إحدى حواراتي المكتوبة مع المفكر الإسلامي الشيخ حسين شحادة، نقش عبارة استذكرها كلّما جاء الحديث عن المسيحية، وعاد وكرّرها في حفل تكريمي من جانب ملتقى الأديان والثقافات للحوار والتنمية، الذي يترأسّه السيد علي فضل الله، وذلك بمناسبة صدور كتابي «أغصان الكرمة – المسيحيون العرب، مركز حمورابي، بغداد – بيروت، 2015»، ومفاد هذه العبارة أن شجرة الأديان واحدة وأغصانها متنوعة.

الشجرة تمثّل جوهر الأديان، وهي الحق المطلق والمساواة المطلقة والكرامة المطلقة والخير المطلق، وكلّ فرع أو غصن منها يمثّل التنوّع والاختلاف.

ليس بوسع الباحث المنصف في هواجس النهضة المشرقية القديمة والحديثة إغفال دور المسيحية المشرقية والعربية، فكانت إسهاماتها واضحة في البلدان العربية المختلفة، أو حتى في دول المهجر، بمن فيهم أقباط مصر، بغضّ النظر عن أصولهم التاريخية، وعلينا عدم نسيان الحديث النبوي الشريف «استوصوا بأقباط مصر»، وكان النبي محمد بن عبد الله (ص) قد تزوّج من ماريا القبطية، ناهيك عن العلائق الثقافية والسياسية بين المسلمين والأقباط، خصوصًا في عهد الدولة الفاطمية، وصولًا إلى مواقف الزعيم الروحي لأقباط مصر البابا شنودة الثالث إزاء ممارسات إسرائيل العدوانية، يوم قال في كلمته الشهيرة: لن يدخل الأقباط القدس إلّا مع أشقائهم المسلمين، فهل كانت علاقة المسيحية بالإسلام علاقة تصادم وتخاصم وعداء أم علاقة تفاهم وتلازم وصداقة؟

اطراف الشام

وبالعودة إلى النصوص القرآنية المتعلّقة بالتاريخ، سنلاحظ أن غزوة مؤتة وغزوة ذات السلاسل وغزوة تبوك، التي خاضها المسلمون عند أطراف الشام الجنوبية، لم تكن غزوات ضدّ المسيحيين، وإنما ضدّ جيش الروم الذي جمع حشودًا كثيرة بالشام، لكن المصادر التاريخية تجمع على أن الرسول لم يجبر أحدًا من النصارى على ترك دياره، وعلى العكس أمر معاذ بن جبلة وعمر بن حزام، بعدم إكراه نصرانيًا على ترك نصرانيته، ويذكر الطبري وابن حسام أم المسلمين لم يعزلوا الأمراء ورؤساء القبائل المسيحيين باليمن عن سلطانهم. ومن أعظم الأحداث التاريخية حسب وجهة نظري هو لقاء النبي محمد مع وفد نصارى نجران في المدينة، وحسبما تقول المصادر التاريخية أنه سمح لهم بالصلاة في المسجد متّجهين صوب القدس والمشرق، وهذا لعمري دليل مبكّر على بذور التسامح الأولى في الإسلام، تلك التي يتنكّر لها المتعصّبون الإسلامويّون والمتطرّفون العنفيون والإرهابيون تحت عناوين شتّى أساسها عدم الاعتراف بالآخر وحجب حقّه في الاعتقاد والتعبير، وينسى هؤلاء أن رب عيسى وموسى من قبله ومحمد من بعدهما هو الله، وهو واحد لا شريك له، وعبادته واجبة، أما وسائل تلك العبادة فهي مختلفة ومتنوعة، بعضها أُدخلت عليه طقوس لا علاقة لها بالأديان ومنطلقاتها الإنسانية.

حسبي هنا أن أتوقف عند المناظرة الفقهية التي دارت بين الرسول ونصارى نجران وأساقفتهم حول مولد السيد المسيح وموقفه من نظام النبوّة والوحي والاصطفاء، فضلًا عن الألوهية، وهذه المناظرة هي من أهم المناظرات الدينية التي تمّت بين مسلمين ومسيحيين في أعلى المستويات في الفترة النبوية المحمدية، وليس أدلّ على ذلك من أن مضمون هذه المناظرات جاء على ذكرها القرآن الكريم في سورة عمران، وقد انتهى هذا الحوار إلى إبرام عهد، يصبح فيه نصارى نجران في ذمّة الدولة الإسلامية التي تضمن لهم دماءهم وأموالهم وأرضهم ودينهم، ودون أي تدخّل من جانب المسلمين في معتقداتهم وطقوسهم وشعائرهم، حيث يسمح لهم الحفاظ على أساقفتهم ورهبانهم.

تجاوزات عديدة

 وهو ما انتهى إليه كذلك الحوار مع نصارى تغلب، وكذلك مع العديد من المسيحيين العرب وقبائلهم، حيث تمسّك غالبيتهم بمسيحيته من دون حرج أو إكراه أو سؤال، لكن مثل هذا الوضع لم يستمرّ في فترة الخلافة الراشدية (من العام 11 للهجرة ولغاية العام 40)، حيث شهدت المسيحية تجاوزات عديدة، وكانت العلاقة مضطربة، ويعود بعضها إلى تعرّض الخلافة إلى الفتن الكبرى التي شهدتها تلك المرحلة وشيوع ظواهر النفاق والارتداد والحروب الداخلية.

واستنادًا إلى ما تقدّم، يمكن القول إن العقل الإسلامي، حتى في ذروة تطرّفه، ظلّ راعيًا لقدسية حماية أهل الكتاب استنادًا إلى النصوص القرآنية والسيرة النبوية في وجوب البرّ بالمسيحيين وأهل الكتاب عمومًا، وتوفير الحماية والأمن لهم بوصفهم جزءًا لا ينفصل عن العقد الاجتماعي في الإسلام.

إن جسور التواصل المسيحي – الإسلامي أساسها التوحيد والإيمان باليوم الآخر، وقد ظلّت قاعدة «لهم ما لنا وعليهم ما علينا «هي الناظم لعلاقة المسلمين بالمسيحيين، وهو ما يمكن أن ينطبق على حقوق المجموعات الثقافية الأخرى، الدينية والقومية، فلم يشهد التاريخ الإسلامي حروبًا تتعلّق بالتطهير الديني أو العرقي في عصور كانت تُباد فيه المجموعات الثقافية باسم الدين أو القومية، كما حصل في حرب الثلاثين عامًا في أوروبا التي انتهت بمعاهدة ويستفاليا (1648) أو قبلها حرب اﻟ 100 عام، ناهيك عمّا حصل في الحربين العالميتين الأولى والثانية.

  أكاديمي ومفكر


مشاهدات 60
الكاتب عبد الحسين شعبان
أضيف 2026/03/28 - 3:24 PM
آخر تحديث 2026/03/29 - 1:33 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 61 الشهر 23448 الكلي 15215516
الوقت الآن
الأحد 2026/3/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير