ذاكرة إغتراب في طين الديوانية
عمار عبد الواحد
لم تكن نيلا ريمار مجرد عابرة في زحام الوجوه ، بل كانت نبضا روسي المنشأ عراقي الهوى اختار ان يغرس جذوره في ارض الفرات الاوسط لتزهر رحمة وطبا ودواء حين وصلت هذه السيدة من موسكو مطلع السبعينيات حاملة شهادتها الطبية لم تكن تدرك ان قدرها سيكتب بلغة اهل الديوانية.؟وان ملامحها الشقراء ستصبح جزءا من ذاكرة المدينة اليومية ورفيقة لاوجاع بسطائها الذين وجدوا فيها قلبا يتسع لهمومهم قبل ابدانهم. ان قصة هذه الطبيبة التي غادر الحياة بعد نصف قرن من العطاء تجسد حقيقة العراق الذي لا يقبل القسمة على اثنين ذلك الوطن الذي وصفه الشاعر الكبير «عبد الرزاق عبد الواحد» بانه الحرف الاول والانسان الاول وسر الوجود الذي تهوي اليه الافئدة من كل حدب وصوب لتجد فيه سكنا وملاذا اخيرا لقد عشقت نيلا تراب هذا البلد واختارت ان يكون ارض الممات تماما كما كان ارض الحياة والعمل فصارت اسما يتردد في بيوتات الديوانية كفرد من العائلة لا كطبيبة اجنبية جاءت لتؤدي واجبا وتغادر. ان بقاءها الى جانب زوجها الدكتور الراحل شاكر الاطرقجي واستمرارها في خدمة الناس رغم كل الظروف التي مرت بها البلاد يعكس معادن الارواح التي تذوب في حب الارض وناسها حيث لم تمنعها الغربة من الانصهار في المجتمع العراقي حتى غدت حكايتها صدى يتردد في ازقة المدينة التي بكتها بحرقة تليق بوفائها.ان رحيل ريمار يترك فراغا في المشهد الانساني لكنه يؤكد ان العراق يبقى دوما وجهة للعاشقين وموطنا لمن اراد ان يترك بصمة صدق لا تمحوها السنون فرحم الله من داوت جراح الناس بصبر ونبل وجعلت من مهنتها جسرا للمحبة العابرة للقارات.