الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
إقليم كردستان .. خط أحمر

بواسطة azzaman

إقليم كردستان .. خط أحمر

عطا شمیراني

 

لم يكن إقليم كردستان مجرد كيان إداري نشأ بقرار سياسي عابر، بل هو ثمرة عقود طويلة من النضال والتضحيات التي قدمها الشعب الكردي من أجل أن يمتلك مساحة آمنة من الحرية والكرامة. لذلك فإن التعامل مع هذا الكيان بمنطق المغامرة السياسية أو الحسابات الظرفية يمثل خطأً استراتيجياً قد يدفع الكرد جميعاً ثمنه. إقليم كردستان ليس ملفاً قابلاً للمساومة، بل هو خط أحمر يجب أن يُصان ويُحمى بعقلانية ومسؤولية وطنية عالية.

إن الاطمئنان إلى وعود القوى الدولية أو التعويل على اتصال هاتفي من زعيم عالمي، أو حتى على اقتراحات بعض ضباط الاستخبارات، لا يمكن أن يكون أساساً لبناء سياسات مصيرية. التجارب القريبة والبعيدة أثبتت أن المصالح الدولية تتغير بسرعة، وأن الدول الكبرى تتحرك وفق حساباتها الخاصة لا وفق آمال الشعوب الصغيرة. لذلك فإن أي رهان غير مدروس على هذه القوى قد يتحول في لحظة ما إلى خيبة أمل كبيرة. التاريخ القريب يقدم أمثلة واضحة على ذلك. فقبل وقت ليس ببعيد سمحت القوى الدولية لمسلحي دمشق بمهاجمة مدن غرب كردستان، وترك السكان هناك يواجهون مصيرهم وسط صراعات إقليمية ودولية معقدة. وقبل ذلك أيضاً، سُمح للحشد الشعبي، تحت مسمى القوات النظامية، بالتقدم نحو كركوك والمناطق المتنازع عليها، الأمر الذي أدى إلى فقدان الكرد لجزء مهم من مواقعهم ونفوذهم هناك. هذه الأحداث تذكرنا بأن السياسة الدولية لا تعرف العواطف، بل تحكمها موازين القوة والمصالح.

رمز مرتكز

من هنا، يصبح بقاء إقليم كردستان وحمايته واجباً أساسياً يقع على عاتق القيادة الكردية قبل أي طرف آخر. فالإقليم لا يمثل فقط بيتاً سياسياً لسكانه، بل يشكل أيضاً رمزاً ومرتكزاً معنوياً للقضية الكردية في جميع أجزاء كردستان. وجود هذا الكيان يمنح الكرد مساحة للتنفس السياسي والثقافي، ويقدم نموذجاً يمكن البناء عليه في المستقبل. لذلك فإن الحفاظ عليه واستقراره يجب أن يكون أولوية فوق كل الحسابات الأخرى.

كما أن على الأحزاب والقوى الكردية في شرق كردستان أن تنظر إلى الإقليم باعتباره ركناً أساسياً لبقاء القضية الكردية، لا ساحة لتصفية الحسابات أو خوض مغامرات غير محسوبة. فإقليم كردستان يمثل اليوم أحد أهم الإنجازات السياسية للكرد خلال القرن الأخير، وأي زعزعة لاستقراره ستنعكس سلباً على مجمل القضية الكردية في المنطقة.

في الوقت نفسه، لا يعني هذا الموقف تجاهل تطلعات الشعوب الأخرى أو الوقوف ضد التغيير. فالكثيرون يتمنون رؤية إيران مختلفة، دولة تحترم الإنسان وحقوقه الأساسية، وتؤمن بالحريات العامة، ولا تشكل خطراً على شعوبها أو على جيرانها. دولة ترى الدين شأناً شخصياً يحظى بالاحترام دون أن يتحول إلى أداة للهيمنة السياسية، وتعترف بحقوق القوميات المختلفة داخلها، بما في ذلك حق الكرد في تقرير مصيرهم ضمن إطار عادل ومنصف.

استقرار داخلي

لكن تحقيق مثل هذا التحول ليس مسؤولية إقليم كردستان ولا مهمته المباشرة. التغيير في إيران هو شأن يخص شعوب إيران نفسها وقواها السياسية والاجتماعية. أما دور إقليم كردستان فيجب أن يبقى ضمن إطار حماية استقراره الداخلي والحفاظ على مكتسباته السياسية والاقتصادية.

إن الواجب الحقيقي اليوم يتمثل في تحصين الإقليم، وتعزيز مؤسساته، وترسيخ وحدته الداخلية، حتى يبقى نموذجاً للاستقرار النسبي في منطقة تعج بالصراعات. كما أن دعم الكرد في الأجزاء الأخرى من كردستان يجب أن يكون دعماً إنسانياً وسياسياً متوازناً، لا يدفع الإقليم إلى مواجهة مباشرة مع قوى إقليمية كبرى.

في النهاية، يبقى إقليم كردستان مكسباً تاريخياً لا يمكن التفريط به. الحفاظ عليه مسؤولية جماعية تتطلب الحكمة، والواقعية السياسية، والابتعاد عن المغامرات غير المحسوبة. فحين يكون الإقليم قوياً ومستقراً، تبقى القضية الكردية أكثر حضوراً وقدرة على الاستمرار. أما إذا ضاع هذا الكيان أو تعرض للضعف، فإن الخسارة لن تكون محلية فحسب، بل ستطال مستقبل الكرد في المنطقة بأسرها. لذلك سيظل إقليم كردستان، بكل ما يمثله من معنى وتاريخ وتضحيات، خطاً أحمر لا يجوز تجاوزه.

 


مشاهدات 87
الكاتب عطا شمیراني
أضيف 2026/03/07 - 3:31 PM
آخر تحديث 2026/03/08 - 1:39 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 82 الشهر 6449 الكلي 14960518
الوقت الآن
الأحد 2026/3/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير