الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
نصف السماء رواية تكتب بالقلب وتقرأ بالوعي.


نصف السماء رواية تكتب بالقلب وتقرأ بالوعي.

أكرم توفيق

 

بين الشعرية السردية وقلق الإنسان الباحث عن اكتماله

تأتي رواية نصف السماء للشاعر والروائي الراحل أرشد توفيق كأحد الأعمال التي تجمع بين صدق التجربة وعمق الرؤية شأنها شأن معظم إنتاجه الذي ظلّ قريبا من روحه الشعرية وقادرًا في الوقت ذاته على التوغّل في عوالم السرد دون أن يفقد تماسكه أو خطابه الفكري والإنساني.

وفي هذه الرواية يقدّم لنا الشاعر والروائي نصًا ينتمي إلى ما يمكن تسميته بـ الرواية-القصيدة حيث تتكئ البنية على الإيقاع، وتنهض اللغة على الصورة، ويتقدّم الوجدان على الحدث، ليبدو العمل في مجمله سيرةً داخلية لكائنٍ يبحث عن نصفه المفقود ويمشي في الحياة بظلٍّ لا يكتمل.

منذ الصفحة الأولى، يواجه القارئ لغةً لا تُشبه السرد التقليدي.. لغة مشبعة بالإيحاء، محمولة على أجنحة الصورة، وممتلئة بتوتر داخلي يجعل الجملة ذاتها تفصح عن القلق قبل أن تفعله الشخصيات.

فالكاتب بصفته شاعرًا أصلاً يعرف كيف يُبقي على ضوء العبارة حاضرًا، وكيف يخلق جملة تُقرأ كأنها بيتٌ شعري انفلت من قصيدته ليبحث عن سياقه داخل الرواية.

وتبدو قوة أرشد توفيق في قدرته على ترويض الشعر ليعمل لصالح السرد لا ضده إذ لا تتحول اللغة إلى زينة، بل إلى جزء من بنية الوعي داخل الشخصيات.

فالأبطال يفكرون شعريًا، ويحلمون شعريا ويعترفون شعريا. ما يمنح الرواية هويتها الخاصة ويجعلها نصًا لا يُشبه غيره.

يتقدّم السرد بإيقاع هادئ، أقرب إلى التأمّل منه إلى الحركة المسرحية.

هذا البطء ليس نقصًا بقدر ما هو خيار جمالي، يجعل من الرواية مساحة لالتقاط التفاصيل النفسية والداخلية، ويمنح القارئ زمنا كافيا للدخول في العمق النفسي للشخصيات.

فأحداث الرواية ليست صاخبة إنما هي صراعات داخلية، يواجه فيها الإنسان ماضيه وذاكرته وخساراته المتراكمة.

وهذا الأسلوب يعكس رؤية أرشد توفيق للحياة بوصفها سلسلة من الأسئلة التي لا يملك الإنسان رفاهية الهروب منها، مهما حاول الانشغال عنها باليومي والمباشر.

تشكّل الرواية لوحة لشخصيات تتحرك داخل فراغ وجودي واضح كل شخصية تفتقد شيئا ما، وكل بطل يحمل غيابه قبل أن يحمل حضوره.

وهنا يأتي عنوان الرواية نصف السماء ليكون مفتاح القراءة.

فالإنسان في نظر الكاتب لا يملك سماءه كاملة.. يعيش بنصف، يحب بنصف، ويتذكّر بنصف، ويحلم بأن يصل يومًا إلى اكتمال لا يحدث أبدًا.

وما يُميز الشخصيات أنها ليست منمّطة فهي لا تعيش وفق قوالب جاهزة، بل وفق صراع داخلي متخم بالتناقضات، يجعل القارئ أقرب إلى مشاركتها التجربة لا إلى مراقبتها من الخارج.

تقوم الرواية على ثيمة مركزية هي الغياب غياب الحب، وغياب الطفولة، وغياب الأمن، وغياب الثقة، بل وغياب الذات أحيانًا.

وليس الغياب هنا مجرد حدث سردي، بل هو حالة وجودية تلاحق الشخصيات وتتحوّل إلى بوصلة تحدد اتجاهاتها.

فالكاتب ينظر إلى الماضي لا بوصفه زمنا انتهى، بل بوصفه جرحا مفتوحا يتسلل منه الضوء أحيانا والوجع دائما.

وهو يعالج الذاكرة ليس على أنها صندوق للصور، بل على أنها قوة تفرض حضورها، وتتحكم في الحاضر دون أن تُعلن ذلك صراحة.

لا يكتفي أرشد توفيق بجعل نصف السماء عنوانا للرواية، بل يستخدمه كرمزٍ مفتوح للتأويل.

فالسماء هنا ليست مجرد فضاء، بل استعارة كبرى للحرية والحلم والطمأنينة.

ونصفها هو النصف الذي يمتلكه الإنسان، بينما يبقى النصف الآخر ممتنعا معلقا بعيد المنال.

ويقدّم المكان في الرواية .. المدينة، الطرقات، البيوت، الأمكنة العابرة– بوصفه مرآة للنفس.

فالأماكن ليست محايدة، بل هي تشارك الشخصيات شعورها، وكأنها جزء من الحالة التي يحاول الكاتب الإمساك بها.

تكمن أهمية نصف السماء في أنها تذهب إلى جوهر الإنسان لا إلى سطح حياته.

فهي لا تقدّم حبكة معقّدة بقدر ما تقدّم تجربة شعورية متماسكة، تُصاغ بلغة عالية، وتتحرك بسرد محسوب، وتنهض على رؤية عميقة للإنسان والعالم.

قد يرى القارئ الباحث عن التشويق السريع أن الرواية هادئة أكثر مما ينبغي، لكن هذا الهدوء هو سرّ قوتها ذلك أنها تدعو القارئ إلى التوقّف، والتفكير، والتأمّل، والبحث عن نصف السماء الخاص به هو أيضًا.

وهنا تتجلى قيمة العمل..

إنه نصّ يعيد تشكيل علاقة القارئ بذاته، ويضعه أمام أسئلته وأشواقه وخساراته، لا أمام شخصية من ورق.

وفي الختام ..تمثّل رواية نصف السماء إحدى أجمل تجارب أرشد توفيق، وواحدة من الأعمال التي تكشف عن شاعر يكتب الرواية بضمير القصيدة وبصيرة الروائي.

إنها رواية عن الإنسان الناقص، وعن النصف الضائع الذي نطارده طوال العمر، وعن السماء التي لا نصل إليها كاملة، لكننا نظل نمدّ أيدينا نحوها.

وفي رحيل الكبير أرشد توفيق، يبقى هذا العمل شاهدًا على روحٍ كتبت من قلبها، وعلى صوتٍ أدبي ترك أثره العميق في السرد والشعر معًا.


مشاهدات 37
الكاتب أكرم توفيق
أضيف 2025/11/29 - 4:19 PM
آخر تحديث 2025/11/30 - 12:43 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 32 الشهر 21680 الكلي 12783183
الوقت الآن
الأحد 2025/11/30 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير