الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
السجين رقم 117.. من ملفات إنقلاب 8 شباط 1963

بواسطة azzaman

السجين رقم 117.. من ملفات إنقلاب 8 شباط 1963

حسين باجي الغزي

 

كان أخي خالد باجي جنديًا سائقًا في سرية النقلية لمعسكر أبي غريب، ومعه صديقه الحميم (أجويعد)، وهو من سكنة محطة قطار أور. وكان والد جويعد صديقًا مقرّبًا لوالدي. وكان خالد واجويعد صديقين حميمين، وقد اعتنقا الفكر اليساري وتشرب في دمائهما، خصوصًا ونحن نعيش في منطقة عمالية عانت من ويلات وبطش السلطات المستبدة، فأُعجبت بالنهج اليساري والاشتراكي بوصفه خلاصًا من همومها وضنك معيشتها. وغالبًا ما كانا يأتيان بإجازتهما معًا، ونادرًا ما يفترقان.

في صبيحة يوم 8 شباط 1963، يوم انقلاب البعث الأسود، كنت لا أزال في سنوات الدراسة الابتدائية الأولى، إذ شاهدت والدي يترك عمله ويهرع لفتح الراديو الكبير (ماركة سيرا – أبو اللمبة)، وبرفقته مجموعة من العمال الذين كان يترأسهم. وكل ما عرفناه من الأخبار آنذاك أن الزعيم عبد الكريم قاسم قد قُتل، وأن هناك “ثورة”.

عمّ الحزن الحاضرين، وكان حزن العائلة أكبر وأشد، حزنًا وكمدًا على روح الزعيم، بل وعلى ما حلّ بخالد وصديقه أجويعد، بعد أن تواردت الأخبار عن انتشار الجثث في شوارع بغداد، وأن الكثير من الجنود والضباط قد قُتلوا أو اعتُقلوا، وأن الشيوعيين قد قُتلوا جميعًا.

محطة اور

وزاد الأمر بلاءً ما كان ينقله (أبو اجويعد) من أخبار كارثية، يحصل عليها من مسافري القطارات القادمة من بغداد، والتي تتوقف في محطة أور للتزود بالماء لتغذيتها بالبخار، أو لصعود ونزول ركاب الناصرية. فكان يزيدها تهويلًا، ويكسوها صورًا مأساوية، ويلحقها بشواهد وأسماء يدّعي أنها موثوقة.

انقطعت أخبار خالد وصديقه، واشتعلت قلوب عائلتيهما وأهالي أور نارًا حامية، إذ تأخرت إجازة الجنديين طويلًا؛ مرّ أسبوع، وأسبوعان، وثلاثة… ولا خبر منهما. واكتمل شهر كامل، حينها قرر الزاير باجي السفر إلى بغداد لاستقصاء مصير ولده.

عارض أبو جويعد سفر والدي، وقرر أن يسافر هو بدلًا عنه، باعتباره عارفًا ببغداد وخباياها، بعد أن هوّن على الزاير وطمأنه، مبيّنًا له أنه يعرف بغداد كما يعرف أور، وأنه زار ولده سابقًا في معسكر أبي غريب.

سافر أبو جويعد بالقطار الصاعد إلى بغداد، وبقي الزاير باجي وقلبه يشتعل نارًا، وسط بكاء النساء ولهفة الجميع لسماع أي خبر مفرح. ولم يغب أبو جويعد سوى يوم واحد، إذ عاد منشرحًا فرحًا، وكان الزاير ينتظره عند باب عربة المسافرين:

ها خويه… شنو الأخبار؟

ما وراي شي غير الخير… مرتاحين ومتونسين، وآمر وحدتهم مدللهم، وبانين كلّش ناموسيات عن البك، بس الإجازات ممنوعة عدهم، وإن شاء الله أول وجبة ينزلون، والآمر همين ودّالك سلام.

ليلة تالية

عندما عاد الزاير باجي إلى بيته، وهو الخبير بعلم الرجال، لم يثق بما قيل له، وقد أدرك أن أبا جويعد معروف بالكذب، لكن هذه المرة وراء كذبه بلوى لا يعلم مداها إلا الله، إذ رغم إلحاحه عليه أن يقول الحقيقة.

في الليلة التالية، غادر الزاير باجي محطة أور إلى بغداد دون علم أبي جويعد، بعد أن تمكن من الحصول منه على كيفية الوصول إلى أبي غريب ووحدتهم تحديدًا.

في الصباح الباكر وصل إلى معسكر أبي غريب بأفخر ملابسه: قاط عربي، وساعة صدر مع زنجيل، وعباءة يلبسها لأول مرة، حاملاً هويته بصفته مسؤولًا حكوميًا في سكك العراق.

حال وصوله إلى معسكر أبي غريب، أوصله الجنود إلى آمر المعسكر، حيث تحدث بلهجة جنوبية حادة:

عمي، السلام عليكم… وياكم الزاير باجي من لواء الناصرية.

أهلًا عمي، تفضل.

عمي، أنا أبو الجندي خالد باجي، وجاي أسأل عن أخباره.

استشاط آمر الوحدة العسكرية غضبًا، وأشار إلى أحد الضباط الواقفين بجانب القائد، فوجه بندقيته إلى صدر الزاير صارخًا:

إنت أبو الشيوعي القذر! أنعل أبوك لابو لواء الناصرية!

ودفعه بعنف حتى أخرجه من المقر.

وبعد أخذٍ ورد، سُمح له بإلقاء نظرة على ولده السجين من كُوّة في جدار سجن أبي غريب الرهيب. كان خالد يحمل الرقم (117). وكانت رائحة السجن نتنة كريهة، وقد هزل جسده واصفرّ كثيرًا، وكان القمل يزحف على رقبته. وما إن رآه والدي، وهو الرجل القوي، حتى انهار باكيًا ولطم وجهه.

دقائق قليلة كانت كافية ليتأكد والدي من المصير الذي ينتظر ولده، وعرف أنه بانتظار المحكمة العسكرية، التي لم تكن أحكامها تقل عن الإعدام، ولوجود أعداد كبيرة من الموقوفين الشيوعيين كانت المحاكمات تتأخر شهورًا.

وسأل والدي عن مصير (جويعد)، فأُبلغ أنه مصاب بالدزنتري منذ أسبوع، وربما يموت، ولا أحد يهتم به.

بعد شهرين، حُكم على جويعد وخالد باجي الغزي بالإعدام، ثم خُفف الحكم لاحقًا لعدم اشتراكهما الفعلي في نشاطات تخريبية، إلى السجن خمس سنوات في سجن الحلة، حيث ذاقا صنوف العذاب.


مشاهدات 29
الكاتب حسين باجي الغزي
أضيف 2026/02/23 - 10:40 PM
آخر تحديث 2026/02/24 - 12:02 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 24 الشهر 18521 الكلي 14950164
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/2/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير