الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
التحدّيات والنتائج.. تراجع القوة الناعمة الأمريكية

بواسطة azzaman

التحدّيات والنتائج.. تراجع القوة الناعمة الأمريكية

قتيبة آل غصيبة

 

في عام 2015 نشر الاكاديمي الامريكي البارز؛ «جوزيف ناي؛ ت: 2025 ؛ الذي اشتهر بمفهوم «القوة الناعمة»؛ كتابه (هل انتهى القرن الأمريكي؟)؛ قدم فيه تحليلاً شاملاً لمستقبل القوة الأمريكية»، ويقع الكتاب في سبعة فصول رئيسية؛ بدأها بتعريف «القرن الأمريكي» ويضعه في السياق التاريخي للنظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية؛ ثم يستعرض جدليات التراجع؛ ويقارن القوة الأمريكية مع القوى الصاعدة؛ مع إيلاء اهتمام خاص بالصين في فصل كامل؛ ويختم باستشراف شكل القيادة الأمريكية في عالم معقد ومتعدد الأقطاب. لكن الوقائع تشير الى غير ذلك، فبين مطرقة التاريخ وسندان المستقبل؛ يرقد سؤال القرن الأمريكي في غرفة الإنعاش، حيث أصبح يتنفس بصعوبة تحت وطأة قرارات أودت بجاذبيته العالمية؛ فيما يحاول منظّروه إنعاش قلبه الناعم قبل فوات الأوان، هذه ليست قصة انهيار إمبراطورية قوية؛ بل تحوّل غريب لقوة عظمى اختارت أن تطعن نفسها في خاصرة قوتها الناعمة؛ بينما يتقدم منافس صبور من الشرق؛ لا ليقلع التاج عن رأسها؛ بل ليقلص مساحة تاجها في خريطة العالم. لقد كان جوزيف ناي قبل وفاته، ينظر إلى الأفق بمزيج من الحذر والثقة؛ مؤمناً بأن القرن الأمريكي لم ينته؛ بل فقط تغير شكله؛ وكانت حجته في ذلك؛ أنسجة مترابطة؛ تشمل: (اقتصاد مبتكر لا يُجارى؛ وآلة عسكرية لا تُقهر؛ وجاذبية ثقافية وقيمية تجذب العالم كمغناطيس عملاق)، وان التهديد الحقيقي؛ في نظره؛ لم يكن صعود الصين السريع؛ بل التراجع الداخلي لأمريكا عن قيمها ومؤسساتها، وكأنه كان يرسم خريطة طريق للقيادة؛ محذراً من أن العدو قد يكون في الداخل؛ لكنه لم يتخيل أن تقرأ إدارة أمريكية هذه الخريطة وتقرر السير في الاتجاه المعاكس تماماً.

فجأة، مع صعود خطاب «أمريكا أولاً»، بدأ هيكل القوة الناعمة الأمريكي يتصدع من القاعدة، لم تكن الصدمة في تغيير السياسات فحسب؛ بل في تحويل الفلسفة الجيوستراتيجية من منطق التعاون متعدد الأطراف إلى منطق المساومة الثنائية القائمة على القوة الصلبة، لقد تحولت أمريكا من الوصي  على نظام عالمي بنته بنفسها؛ إلى قوة عظمى أخرى تخطف ما تستطيع في السوق الدولية، هذا التحول لم يضعف الثقة في أمريكا فحسب؛ بل هز ثقة العالم كله في النظام الدولي القائم على القواعد التي ظلت تشكل حجر الزاوية للاستقرار منذ الحرب العالمية الثانية، لقد كانت قاسية على واشنطن؛ تلك  الصورة التي التقطها «مؤشر القوة الناعمة العالمي»؛ إذ تم تأشير أكبر انخفاض لها مسجل بين دول العالم؛ وسقوط سمعتها إلى المرتبة السادسة والعشرين؛ مع انهيار حاد؛ في «مقاييس الكرم والصداقة والثقة وجودة العلاقات الدولية»، لقد خسرت أمريكا عُملتها الأكثر قيمة: (ثقة واحترام العالم.)

تجميد مساعدات

وفي غرفة العمليات هذه، لم تكتفِ الإدارة الأمريكية بقطع الأوكسجين عن صورة أمريكا؛ بل شرعت في تفكيك أجهزة الإنعاش نفسها، فقرار تجميد المساعدات الخارجية ومحاولة تفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية كان بمثابة إعلان رسمي عن انسحاب أمريكا من دور المنقذ والمساعد ( رغم انتقائيته) ؛ وهو الدور الذي طالما خفف من حدة الانتقادات لسياستها الخارجية؛ خاصة في مناطق معقدة مثل الشرق الأوسط، فقد كان هذا القرار هو «المسمار الأخير في نعش القوة الناعمة»؛ كما وصفه المحللون؛ لأنه هاجم ليس فقط الصورة؛ بل الأدوات المؤسسية التي تبني وتحمي هذه الصورة، فبينما كانت أمريكا تنسحب؛ كانت عيون العالم تتجه شرقاً؛ حيث كانت الصين تعد عدتها بتركيز صاروخي. وهنا تكمن المفارقة التاريخية المرة؛ إذ في اللحظة التي قررت فيها القوة الامريكية العظمى المهيمنة التركيز على نفسها والانسحاب من أعباء القيادة؛ كان هناك من ينتظر لملء الفراغ ليس بخطاب معادٍ؛ بل بخطاب بديل، إنها الصين؛ التي كان «جوزيف ناي» يعتبرها منافساً اقتصادياً هائلاً لكنها تفتقر إلى الطيف الكامل للقوة الناعمة والابتكار، فقد تسارعت الصين في  خطاها؛ وفهمت أن المعركة ليست على الأرض أو في البحار فحسب؛ بل في العقول والقلوب، وفي مؤشر 2026، تجاوز التنين الصيني الصاعد النسر الأمريكي في مقياس السمعة للمرة الأولى، وأصبح يتقدم على الولايات المتحدة في 19 من أصل 35 صفة تقاس فيها صورة الدولة، فلم تعد الصين تقدم نفسها كنموذج مغاير فحسب؛ بل كشريك موثوق ومستقر في عالم يبدو أن قائده التقليدي قد أصيب بنوبة من التقلب والانعزالية.

ولكن، حتى في ذروة هذا التراجع، تبقى أمريكا كياناً فريداً يصعب محوه من خريطة الجاذبية العالمية، ففي قلب العاصفة؛ احتفظت بالمركز الأول عالمياً في الفنون وفي استكشاف الفضاء؛ وظلت الثقافة الشعبية الأمريكية والابتكار التكنولوجي يجذبان الشباب في كل مكان، هذه «البقايا الايجابية» للقوة الناعمة تثبت أنها لن تمحى بقرار رئاسي أو حتى بفترة رئاسية واحدة؛ إنها تشبه نهراً جوفياً قد تعلوه الأتربة لكنه لا يجف، والسؤال الكبير هنا: (هل يمكن لأمريكا أن تعيد اكتشاف هذا النهر وتستغله من جديد؛ أم أن قرارات اليوم قد حولت مجراه إلى الأبد؟)

في النهاية، يبدو أن تحذير جوزيف ناي كان نبؤة تحقق نفسها بسرعة مذهلة، فالخطر الأكبر على «القرن الأمريكي» لم يأتِ من منافس خارجي يفوق الولايات المتحدة في الموارد؛ بل من عجز داخلي عن فهم مصدر القوة الحقيقية في العصر الحديث، لقد سرَّعت القرارات الداخلية من وتيرة التحول من قرن أمريكي مهيمن؛ إلى عصر لا مركزي متعدد الأقطاب؛ إذ لم تعد الجاذبية حكراً على أحد، وربما لم ينته القرن الأمريكي بعد؛ كما يصر جوزيف ناي، لكن شكله الجديد يبدو أكثر تواضعاً؛ وأقل جاذبية؛ وأكثر عزلة مما توقع أي محلل، (فالقوة الناعمة؛ مثل الثقة؛ تُبنى على مدى عقود، ويمكن أن تُهدم بقرارات في غضون أيام)، والمفارقة الأقسى هي أن أمريكا، التي اخترعت مفهوم «القوة الناعمة»؛ قد تكون أول إمبراطورية في التاريخ تقتل نفسها بسلاح من صنعها.

 


مشاهدات 54
الكاتب قتيبة آل غصيبة
أضيف 2026/02/20 - 11:46 PM
آخر تحديث 2026/02/21 - 1:55 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 80 الشهر 15946 الكلي 14947589
الوقت الآن
السبت 2026/2/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير