بين أربيل وبغداد ودمشق.. دبلوماسية الإقليم وحدود القرار الإتحادي
محمد علي الحيدري
لم يعد خافيًا أن دخول إقليم كردستان العراق على الشأن السوري، ولا سيما في ما يتصل بحماية حقوق أكراد سوريا والمطالبة بتنفيذ كامل وحرفي للاتفاقات المبرمة بين قوات سوريا الديمقراطية وحكومة دمشق، يفتح بابًا واسعًا للتساؤل المشروع: هل يجري ذلك بتنسيقٍ مع بغداد؟ وهل ثمة غطاء اتحادي صريح لهذه اللقاءات والمواقف التي تصدر من أربيل لا من العاصمة الاتحادية؟
في الظاهر، تبدو تحركات الإقليم امتدادًا طبيعيًا لروابط اجتماعية وقومية وتاريخية، ونتاجًا لخبرة سياسية راكمها الإقليم في إدارة علاقاته الإقليمية خلال العقود الماضية. غير أن السياسة، حين تتجاوز حدود التعبير الثقافي أو الإنساني إلى ساحات التمثيل والتفاوض، تصبح مسألة سيادة وصلاحيات دستورية قبل أن تكون مسألة تعاطف أو قرب جغرافي. هنا تحديدًا يتعاظم السؤال: أين يقف القرار الاتحادي من هذا الحراك؟ وهل هو تفويضٌ ضمنيٌّ صامت، أم مسارٌ موازٍ يفتقر إلى الغطاء الرسمي؟
قراءة مختلفة
حيثما ثمة تنسيق غير مُعلن مع بغداد، فإن الإشكال لا يكمن في المبدأ بقدر ما يكمن في الشفافية والوضوح؛ إذ إن الغموض يضعف الرسالة العراقية الخارجية ويُربك حسابات الشركاء، ويمنح الأطراف الإقليمية والدولية انطباعًا بتعدد المراكز وتباين الإيقاع. أما إذا لم يكن هناك تنسيق، فإننا إزاء سياسة ذات دلالات أعمق: إما أنها محاولة لملء فراغٍ تراه أربيل في الأداء الاتحادي، أو أنها قراءة مختلفة لمصالح الأمن القومي العراقي تُدار من زاوية الإقليم لا من زاوية الدولة.
على مستوى العلاقات العراقية السورية، يحمل هذا المسار أثرين متناقضين. فمن جهة، قد يُسهم في خفض التوتر عبر قنوات غير رسمية، ويُسهّل مقاربات براغماتية تحفظ حقوق مكوّنٍ كردي عابر للحدود دون صدام. ومن جهة أخرى، قد يُفسَّر في دمشق - كما في عواصم أخرى - بوصفه تعدّيًا على القنوات السيادية، أو رسالةً بأن بغداد ليست الممسك الوحيد بملفها الخارجي، ما يضعف القدرة التفاوضية للدولة العراقية ويُربك هندسة علاقاتها.
الواقعية السياسية تقتضي الإقرار بأن الإقليم يمتلك هامش حركةٍ لا يمكن تجاهله، وبأن بغداد - في لحظات كثيرة - تستفيد من هذا الهامش حين يُدار بتكاملٍ لا بتوازٍ. غير أن التكامل لا يُبنى على الصمت، بل على إطارٍ مؤسسي واضح يحدد من يتحدث، وبأي صفة، وعلى أي طاولة. فالدولة التي تسعى إلى استقرار إقليمي وتأثيرٍ محسوب لا بد أن تُوحّد خطابها، حيثما توظّف تعدد قنواتها.
الخلاصة ليست إدانةً ولا تزكيةً، بل إشارة واقعية إلى مفترق طرق: إما أن يتحول حراك أربيل إلى رافعةٍ للسياسة الخارجية العراقية ضمن تنسيقٍ اتحادي صريح، وإما أن يستمر بوصفه مسارًا رماديًا يراكم الالتباس ويُثقِل العلاقات مع دمشق. بين الخيارين، يكمن امتحان الدولة وقدرتها على إدارة التنوع حيثما يُنظر إليه قوة، لا حيثما يُفسَّر بوصفه ازدواجًا.