كلا إن الإنسان ليطغى أن راه إستغنى
ياسين الحديدي
القرآن يضع يده على الجذر.. الإنسان لا يطغى (أي يتجاوز حده ويتحول لوحش) لأنه شرير بالفطرة.. بل يطغى في لحظة واحدة محددة: (أن رآه استغنى)....
لحظة شعوره بـ الاستغناء.. حين يملك المال الذي يشتري به كل شيء، والسلطة التي تحميه من كل شيء.. حين يشعر أنه لم يعد بحاجة إلى الله، ولا إلى الناس، ولا إلى القانون.في لحظة الوهم هذه.. يقرر الإنسان أن يخلع عباءة العبودية ويرتدي رداء الربوبية (الكبرياء والعظمة).. وهذا الرداء لا يصلح له، فيحترق به ويحرق من حوله ...
الإسلام يخبرنا أن النفس البشرية إذا تُركت بلا لجام (تقوى ومراقبة)، فإنها لا تقف عند حد.. بل تنحدر إلى مستوى يصفه القرآن وصفًا مرعبًا: {أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} لماذا قال أضل (أي أسوأ من الأنعام)؟ لأن الحيوان يقتل ليأكل، ويمارس الجنس ليتكاثر (غريزة لها هدف).. أما هؤلاء النخبة، فهم يقتلون للمتعة، وينتهكون البراءة للتسلية.. فهم نزلوا لدركٍ تترفع عنه البهائم!وهنا تكمن عظمة الحدود في الإسلام.. الناس تظن أن الحلال والحرام قيود تكبت الحرية.. لكن الحقيقة أن الحدود هي سياج الأمان الذي يمنعك من السقوط في الهاوية... الله وضع لك حدودًا في المال، وفي الجنس، وفي السلطة.. ليس ليحرمك من المتعة، بل ليحمي إنسانيتك من التوحش...لأنك بلا حدود ستتحول إلى ثقب أسود يبتلع كل شيء .. وصدق الله إذ يقول « وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ياسين الحديدي