قراءة دستورية في إشكالية إنتخاب رئيس الجمهورية
سعد البخاتي
يُعدّ انتخاب رئيس الجمهورية أحد الاستحقاقات الدستورية الأساسية في النظام السياسي العراقي، لما يترتب عليه من آثار مباشرة في استكمال تشكيل السلطة التنفيذية وضمان انتظام عمل المؤسسات الدستورية. وقد حدّد دستور جمهورية العراق لسنة 2005، في المادة (70)، آلية انتخاب رئيس الجمهورية داخل مجلس النواب، بما يحقق التوازن بين متطلبات التوافق السياسي والشرعية الدستورية.
وبيّن الدستور أن انتخاب رئيس الجمهورية يتم بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب في الجولة الأولى، وفي حال عدم تحقق ذلك تُجرى جولة ثانية بين المرشحين الأعلى أصواتاً، ويفوز فيها من يحصل على الأغلبية البسيطة. غير أن النص الدستوري لم يقرن هذه الآلية بمدة زمنية جزائية، الأمر الذي أوجد نقاشاً دستورياً بشأن طبيعة المدد المرتبطة بهذا الاستحقاق.
طابع تنظيمي
وفي هذا الإطار، اتجهت المحكمة الاتحادية العليا في قراراتها إلى اعتبار أن الـمدد الواردة في الدستور ذات طابع تنظيمي إجرائي، ما لم ينص الدستور صراحة على جزاء يترتب على مخالفتها، مؤكدة أن تجاوز تلك المدد لا يؤدي بذاته إلى تعطيل عمل المؤسسات الدستورية أو المساس بشرعيتها.
ويؤدي عدم انتخاب رئيس الجمهورية إلى تأخير استكمال المراحل الدستورية اللاحقة، ولاسيما تكليف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل مجلس الوزراء وفق المادة (76) من الدستور، إلا أن هذا التأخير لا يرقى إلى حالة الفراغ الدستوري، في ظل استمرار مجلس النواب بممارسة اختصاصاته الدستورية بوصفه سلطة قائمة استناداً إلى المادة (54).
كما أكدت المحكمة الاتحادية العليا، ضمن اختصاصها التفسيري المنصوص عليه في المادة (93/ثالثاً)، على ضرورة تفسير النصوص الدستورية بما يضمن استمرارية عمل السلطات العامة ويمنع شلل الدولة.
انسداد سياسي
وهو ما انعكس في تعاملها مع حالات الانسداد السياسي بعد الانتخابات النيابية، حيث دعت إلى الإسراع في إنجاز الاستحقاقات الدستورية دون إبطال الإجراءات المتخذة.
وفي السياق ذاته، يُشار إلى أن استمرار حكومة تصريف الأعمال في أداء مهامها الأساسية يُعد إجراءً استثنائياً تفرضه الضرورة الدستورية، بهدف الحفاظ على انتظام المرافق العامة إلى حين اكتمال تشكيل السلطات الدستورية وفق السياقات القانونية السليمة.
ويرى مختصون في الشأن الدستوري أن المعالجة المستدامة لهذه الإشكاليات تقتضي مراجعة تشريعية أو دستورية مستقبلية لآلية انتخاب رئيس الجمهورية، بما يحدّ من تكرار حالات التعطيل، ويعزز من فاعلية النص الدستوري دون الإخلال بمبادئ التوافق والتوازن التي قام عليها النظام السياسي.
وتبقى معالجة الإخفاق في انتخاب رئيس الجمهورية مسؤولية دستورية مشتركة، تتطلب التزاماً سياسياً صريحاً بروح الدستور ونصوصه، بما يضمن استقرار العملية السياسية واستمرار عمل مؤسسات الدولة.
باحث في الشأن الدستوري