الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مؤسسة بحر العلوم الخيرية.. في الإحتفاء بذكرى الموسوعي جعفر الخليلي

بواسطة azzaman

مؤسسة بحر العلوم الخيرية.. في الإحتفاء بذكرى الموسوعي جعفر الخليلي

إبراهيم بحر العلوم

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نرحب بكم اجمل ترحيب في مدينة النجف الاشرف ويسعدنا مشاركتكم في الاحتفاء برمز ثقافي من رموز مدرستها وهو الموسوعي جعفر الخليلي

الاحتفاء والتكريم سياق حضاري للمجتمعات الحية.

لم يكن السياق الحضاري -أي سياق الاحتفاء والتكريم لرموزنا الوطنية وليد اللحظة، بل يمتلك تاريخاً وجغرافية. فقد اعتادت المؤسسة في التسعينات من القرن الماضي تكريم الاحياء من الرموز والقامات العلمية في المهجر وعلى سبيل المثال لا الحصر: تكريم شيخ الخطباء الدكتور الشيخ احمد الوائلي وشاعر العراق الدكتور السيد مصطفى جمال الدين ورائد الفقه المقارن العلامة السيد محمد تقي الحكيم. وعلى ارض الوطن استمر تكريم الاحياء من الرواد ومنهم شيخ القانونيين الدكتور حسن الجلبي ورائد العمارة الإسلامية الدكتور السيد محمد علي الشهرستاني واستاذ القانون الدولي الدكتور عصام العطية ورائد الفكر السياسي الدكتور علي عباس مراد، وشاركنا العديد من المؤسسات في تكريم الاحياء في المجالات المحتلفة. ولازلنا مدينين للكثير من الرموز العراقية.

وفي الوقت الذي ينصب اهتمامنا على تكريم الاحياء من القامات العلمية والمعرفية، وفي مقدمتهم أولئك العلماء الاعلام الذين افنوا حياتهم في سبيل العقيدة والعلم وتركوا بصماتهم من خريجي مدرسة النجف على تاريخ النجف والعراق والمنطقة. فقد شهدت هذه القاعة، قاعة الشيخ الطوسي، مؤسس جامعة النجف الدينية، الجامعة العريقة التي نتطلع الى احياء الفيتها في القادم من العامين. فقد شهدت مؤتمرات ومشاريع احتفاء مشتركة شارك فيها العديد من أساتذة الحوزة والاكاديميين والباحثين من داخل العراق وخارجه ومن ابرزها:

العلامة الشيخ المظفر

فقد تم الاحتفاء بالمجدد المصلح الشيخ محمد رضا المظفر، بالتعاون مع العتبة العباسية المقدسة، اذ تمت إقامة مؤتمر على مدى يومين في النجف وكربلاء،  إضافة الى ذلك فقد تولت العتبة العباسية بالتعاون مع المؤسسة طباعة الاعمال الكاملة للشيخ المظفر مع مجلد إضافي ضم اعمال المؤتمر وجاءت المجموعة في احدى عشر مجلد.

العلامة الشيخ الشبيبي:

 وتصدت المؤسسة للاحتفاء بالذكرى الخمسين لرحيل الزعيم الوطني العلامة الشاعر الشيخ محمد رضا الشبيبي في عام 2017 بالتعاون مع المجمع العلمي العراقي ومجلس النواب العراقي، وأقيم مؤتمر ومعرض على مدى يومين في النجف وبغداد، وتمت تسمية احدى القاعات باسمه في مجلس النواب، وتولت المؤسسة طباعة ديوانه الكامل عام 2022 وتسمية احدى قاعات المؤسسة باسمه. ويفترض ان يتولى قسم البحوث في مجلس النواب طباعة اثاره وبانتظار استكمال هذا العمل.

الموسوعي جعفر الخليلي 

كانت النية تراود المؤسسة في إقامة مؤتمر للاحتفاء بالموسوعي الخليلي في مرور ربع قرن على رحليه كان يفترض ان يكون ذلك عام 2011  او بالتزامن مع مشروع (النجف عاصمة الثقافة الإسلامية) اذ كانت الفكرة الاحتفاء بالعديد من الشخصيات العلمية والأدبية، غير ان المشروع واجه تلكؤا. وبقينا مدينين لهذه الشخصية الموسوعية- اعني الخليلي- لايفاء بحقه علينا، حتى بادرت العتبة الحسينية المقدسة مشكورة واكاديمية الكوفة للتعاون مع المؤسسة لاستذكاره بمناسبة أربعين عاما على رحيله. ويأتي هذا الاستذكار عبر ازاحة الستار عن الاعمال الكاملة التي اشرف عليها الباحث الأخ محمد سعيد الطريحي بعد عمل دؤوب استمر قرابة عقد كامل. فلكل من شارك بهذه الجهود الخيرة الشكر والتقدير.

نقول شكرا جزيلا للعتبة الحسينية المقدسة ومتوليها الشرعي سماحة الشيخ الكربلائي ومركز احياء التراث الثقافي والديني في قسم الشؤون الفكرية بالعتبة على هذا الاهتمام، والشكر والتقدير لاكاديمية الكوفة في هولندا ورئيسها الأخ الطريحي على الجهد النوعي

وفي هذه المناسبة، نود استثمار هذه المناسبة لابداء الاستعداد الكامل للتعاون مع العتبات المقدسة والمؤسسات العلمية في التخطيط للاحتفاء باعلام مدرسة النجف الاشرف كخطوة عملية في سبيل احياء الذكرى الالفية للنجف، فقد علمتنا التجارب ان العمل التشاركي يمنح المشروع ابعادا اكثر ديمومة وحيوية وابداع.   وأيضا في هذه المناسبة تقترح المؤسسة تسمية احدى قاعاتها في قسم الاعلام بمعهد العلمين للدراسات العليا باسم الأستاذ جعفر الخليلي.

الخليلي عبر الأجيال الثلاث

أسرة الخليلي في محلة العمارة بالنجف: اسم “آل الخليلي” كان أكثر رسوخاً في ذهني لأسباب عديدة. كان جارنا المجاور من أسرة آل الخليلي، ومن أطباء العيون (أو ما يسمى بالحكيم)، يقصده الفقراء طلباً للعلاج، وكان اسمه الشيخ ميرزا صادق الخليلي. ورَسَخَ أيضاً في ذهني اسمٌ آخر من الأسرة: الشيخ ميرزا محمد الخليلي، طبيب الباطنية. كان مطبه في سوق العمارة قريباً من بيتنا. كنت أراجعه باستمرار، وأحياناً أنتظر دوري لوجود عدد من المرضى. كانت الابتسامة لاتفارقه، ويطيل السؤال عن الأسرة، ويفحصني وانا احدق في عمامته البيضاء ونحافته اللافتة وقصر قامته وخلقه العالي، ثم يكتب لي وصفة على قصاصة صفراء صغيرة تُصرف من محل عطار للأعشاب جنب المطب. وكان يتخذ من مقبرة جده العلامة الشيخ الميرزا حسين الخليلي – أحد أعلام الأسرة ومراجع النجف – مقراً للمطب. أما صاحب محل العطارة فكانت شخصيته وقورة قليلة الابتسام، اسمه الحاج عباس من أصول إيرانية، يصرف الدواء من الأعشاب وأدفع ثمنه. كانت تلك العطارة بمثابة صيدلية طبية من الأعشاب.

ولم أكن أدفع أجرة التطبيب إلى ميرزا محمد الخليلي، باعتبار العلاقة الوثيقة بيننا؛ فقد كنت أراه كثيراً في ديوان الجد السيد علي بحر العلوم عصراً، وأراه كذلك عند ذهابي مع الوالد إلى جمعية الرابطة الأدبية في النجف. وكان الوالد يرسلني أحياناً إلى سكن ميرزا محمد الخليلي الواقع في نفس المحلة لأسلمه أوراقاً أو كتباً.

بل كنت أراه مع أصدقاء السيد الوالد في بيتنا، خاصة على مائدة الغداء المعروفة بـ(الصحنية)، إذ يأتي بعض الجمع بصحن مما أعدّ في بيته فتجتمع الصحون على المائدة إضافة إلى ما تقدمه المرحومة الوالدة من صحن في ذلك اليوم. كما كنت أراه في اجتماعات ولقاءات ومواسم الرابطة الأدبية الثقافية، ولا زلت أستذكر افتتاحيته لأمسية الموسم الثقافي الأول عام 1966. وهنا اود التأكيد على ما رسخ في ذهن الفتى النجفي هو وفاء الرابطة لمؤسسيها؛ إذ كتب السيد بحر العلوم كتاباً ضمّ لمحات عن حياة الشيخ محمد الخليلي عند رحيله في 1968، وتم توزيعه في الحفل التأبيني في أربعينيته، وقبلها كتب السيد بحر العلوم كتاباً في رحيل الشيخ محمد علي اليعقوبي ضم لمحاته عام 1965.

علاقتنا بالموسوعي جعفر الخليلي

 وعلاقتنا بالمحتفى به الموسوعي جعفر الخليلي تعود لثلاثة أجيال من اسرتنا وتعود الى بدايات القرن الماضي، وهي ليست علاقة تاريخ بل علاقة جغرافيا فلم تقتصر علاقتنا بالخليلي بالنجف في العشرينات والثلاثينات والاربعينات بل استمرت في بغداد في الخمسينات والستينات وتم استذكارها في السبيعينات في الكويت وبعد رحليه كنا نستذكره مع كريماته في التسعينات في لندن.

أقول: الخليلي جعفر قامة نجفية عراقية استثنائية، تركت بصاماتها في الوعي والذاكرة العراقية والعربية والإسلامية. في ذكرى الأربعين لرحيله، لا نقف عند الخليلي بصفته رائدا للصحافة والقصة والادب بل بصفته شاهداً على الزمن وصوتاً من أصوات مدرسة النجف، كتب للعراق بمداد من صدق وتجربة ومعاناة. وسوف اتوقف عند بعض المحطات:

الخليلي رائد القصة

لست هنا باحثا لاتحدث عن الخليلي كرائد اسهم في ترسيخ فن القصة العراقية. بل أحاول ان اشير ان الخليلي نجح في التخاطب مع الفتيان عبر مجاميعه القصصية.  لا ادري من ارشدني وانا في الصف الأول متوسطة في مدرسة منتدى النشر الى قراءة قصته (من قرى الجن) والتي استعرتها من مكتبة الرابطة الأدبية: (المكتبة العريقة التي اهداها الملك غازي في الثلاثينات من القرن الماضي) وكانت تلك القصة النافذة البوابة التي جعلتني اتحفز لقراءة قصصه الاخرى وقراءة القصص العربية.

والمفارقة عندما كتب السيد بحر العلوم (هكذا عرفت الخليلي) عام 2012 مقدمته عن جعفر الخليلي قال: (اهداني الخليلي، وهو الذي كان من رواد ديواننا، في بداية الاربعينات مجموعة من مؤلفاته القصصية ومنها (من قرى الجن)، عندما راني في الديوان منكباً على قراءة كتب جرجي زيدان، فقرأتها وأصبحت من المعجبين به، وكانت تلك إيذانا لمتابعة ما ينشره من مقالات وكتب).  ما اريد قوله ان أسلوب الخليلي القصصي كانت البوابة للوالد والولد اذ بقي الخليلي حيا عبر الأجيال.

الخليلي وريادته في توثيق العتبات المقدسة

في الستينات أتذكر جعفر الخليلي بأناقته المميزة في زياراته للديوان أو المناسبات العامة في النجف. لكن الصورة الراسخة في الذهن حتى اليوم – ولعلها بعد منتصف الستينات– حين أخبرني السيد الوالد بأن لديه موعداً مع جعفر الخليلي وقد يتأخر عن استقباله، فطلب مني أن أفتح له الباب وأصعد بالضيف إلى المكتبة التي تقع في الطابق الثاني من بيتنا الواقع في محلة العمارة.

كان الوقت قبل الظهيرة. طرق الخليلي الباب، وكان الخليلي مميزاً بأناقته الجميلة، فرحبت به ورافقته حتى جلس في المكتبة بانتظار الوالد، وضيفته باستكانة الشاي.

أتذكر أن نظراته منذ دخوله وحتى جلوسه كانت تتفقد الجدران والمكتبة والسلالم، ولا زلت أتذكر حقيبته الأنيقة. وعند وصول السيد الوالد دار حديث بينهما لا أذكر حيثياته، لكن الذي بقي في الذاكرة أن الخليلي قدم للوالد صكاً بنكياً بقيمة – على ما أتذكر – اما مائة دينار أو ستون ديناراً وعلى الصك كان اسم (دار التعارف).

 وبعد حديثٍ دام أكثر من ساعة ودعناه.

وبعد فترة ليست قليلة عرفت بمشروع «موسوعة العتبات المقدسة»، وأن زيارة الخليلي كانت لتقديم الشكر للسيد الوالد على مشاركته في الكتابة في أجزاء الموسوعة الخاصة بالنجف – مع مشاركة باحثين آخرين – وأن الصك كان مكافأة دار التعارف التي كان يرأسها الخليلي في بغداد للباحثين المشاركين في الموسوعة.

وما يلفت النظر في ذلك الجزء المخصص عن تاريخ النجف من موسوعة العتبات المقدسة (الجزء الثاني) من المجلد السابع منها، أن ثلاثة باحثين شاركوا فيه: السيد بحر العلوم كتب عن تاريخ الدراسة في النجف، والشيخ محمد الخليلي كتب عن مدارس النجف القديمة والحديثة، وجعفر الخليلي كتب عن مكتبات النجف العامة والخاصة، والتي تربو عددها على المائة مكتبة.

وعندما تتفحص في اختيارته للباحثين في هذا الجزء من الموسوعة، تتلمس بصمات الخبرة؛ فالسيد بحر العلوم من أسرة علمية لها شأن في إدامة التدريس في الحوزة العلمية عبر القرون الثلاثة، وهو  حوزوي واكاديمي وعارف بدراستها فلديه القدرة على تناول الموضوع بجدارة.

أما الميرزا محمد الخليلي، وهو من أسرة علمية وأدبية وطبية، وصاحب كتاب ( معجم الاطباء) وكان جده المرحع الشيخ الميرزا حسين الخليلي قد بنى مدرستين تُسميان مدرسة الخليلي الكبرى ومدرسة الخليلي الصغرى كسكن داخلي لطلبة العلوم الدينية، وكان الميرزا محمد الخليلي متولياً لهما، فهو ذو معرفة وخبرة بباقي المدارس الدينية للكتابة عنها. أما البحث عن مكتبات النجف فتولى جعفر الخليلي نفسه كتابته، وهذا يعكس معرفته الثقافية وسعة اطلاعه بمكتبات النجف العامة وكذلك الخاصة بما يمتلكه من علاقات بمؤسسيها عبر عقوده النجفية. وهذا يؤشر على سمة من سمات الخليلي قيامه بتوزيع الأدوار العلمية بين الباحثين في مشهد يعكس عقلية موسوعية يعرف قيمة الاختصاص.

بدأ الحديث عن «موسوعة العتبات المقدسة» وجهد الخليلي ودار التعارف يعلو في المجالس الثقافية العراقية لما حفلت به من مساهمة قامات وشخصيات علمية. وكان مقر الموسوعة حافلاً بالزيارات واللقاءات. وترددت أصداء الموسوعة خارج العراق في لبنان والخليج وإيران، وكانت منتديات (كيفون) في لبنان في منتصف الستينات تتابع أخبار صدور الموسوعة.

وفي الكويت، وبعد منتصف السبعينات، يتذكر البعض زيارات الكاتب المصري عبد الفتاح عبد المقصود، وكان الاحتفاء به كبيراً من قبل النخب الكويتية، ومنهم رجل الأعمال المثقف الحاج محمد قبازرد والحاج زيد الكاظمي وآخرين. وكان مردّ هذا الاحتفاء تأليفه موسوعته الرائعة عن (الإمام علي بن أبي طالب)، والتي جاءت في أربعة أجزاء.

وقد تكررت زياراته إلى الكويت بتشجيع من السيد بحر العلوم الذي كان قاضياً شرعياً في محاكم الكويت في تلك الفترة، وكانت حصيلة النقاشات والجلسات العلمية دفعت الكاتب المصري بكتابات اخرى عن سيرة الرسول (ص) واهل بيته، فصدر كتابان جديدان لعبد المقصود: أحدهما بعنوان (السقيفة والخلافة) والآخر عن كتاب (فاطمة الزهراء عليها السلام نور من محمد)، وكان لنا دور في طباعتهما وتوزيعهما في دار المنهل في الكويت ودار الزهراء في بيروت مع العم السيد مهدي والمرحوم السيد صادق بحر العلوم

في تلك الفترة كان السيد بحر العلوم مبادراً ومشجعاً وداعماً لفكرة تكريم الخليلي والاحتفاء بجهده الموسوعي الكبير في إصدار موسوعة العتبات المقدسة والتعريف به للمجتمعات العربية، فكانت العمامة النجفية جامعة للاحتفاء بالخليلي وعبد المقصود في الكويت، في ظل اهتمام كويتي بموسوعة العتبات المقدسة ومؤلفات عبد المقصود الجديدة.

الخليلي وموسوعة (هكذا عرفتهم)

لقد اشتهر الخليلي بموسوعته المسماة «هكذا عرفتهم» وتميز  بأسلوبه الأدبي الرائع في كتابة السير الشخصية. وعندما تتصفح الموسوعة ستمنحك اطلالة واسعة للتعرف على سمات وبصمات ابرز مراجع وعلماء وأدباء وشعراء ووجهاء وأعيان النجف. لقد شملت الموسوعة ترجمة ستين شخصية عاصرهم الخليلي فكتب عنهم. إن نصف من تحدث عنهم في موسوعة «هكذا عرفتهم» كانوا من أعلام النجف من المراجع والعلماء والشعراء والأدباء والسياسيين. مع التركيز على حركة البيوتات المعروفة ورجالاتها وتأثيرها الديني والاجتماعي والأدبي والسياسي. وبالتالي ستكون حصيلة الحركة العلمية والأدبية عبر السير الشخصية لهؤلاء الأعلام. وكانت اختياراته معبرة ومدروسة  لتشكل وثيقة تؤرخ لنهضة النجف في القرن العشرين. وقد أشار السيد بحر العلوم في كتابه (شاهد على التاريخ): إلى حرص الخليلي – في فنونه الأدبية – على إعطاء صورة مشرقة وطبيعية لأدب النجف وفكرها من خلال علاقاته الاجتماعية والأدبية والسياسية.

يقول الخليلي في مقدمة الموسوعة التي صدر الجزء الأول منها عام 1963: (عرضٌ موجزٌ لجانب من حياة بعض الأشخاص الذين كان لهم ذات يوم بعض الشأن في الحياة العامة والخاصة، أو هو في الواقع عرض موجز لبعض ما احتفظت به الذاكرة عن بعض من عرض لي في طريق الحياة، وكيفية تعرفي بهم، وماهية هذا التعرف ولونه. وهو لون من الأدب والتأريخ المبتكر).

اقول لقد وفقتُ لقراءة ما كتبه الخليلي عن بعض الشخصيات المعروفة في هذه الموسوعة؛ وكانت ممتعةً حقاً. فما تجده في حديثه عن خصال شخصية لا يتكرر في حديث اخر، كانت خياراته تنم عن معرفة عميقة وعلاقة وثيقة، ليعكس عبرها سلوكاً مجتمعياً وحركةً وتوجهاً حراكا اصلاحيا بمختلف توجهاته، ومن خلالها تتضح للقارئ رؤية المشهد العلمي والاجتماعي والأدبي في النحف والعراق.

ويتحدث الخليلي في مقدمة الموسوعة التي صدر الجزء الأول منها عام 1963 عن ريادته في هذا الأسلوب المتفرد قائلاً: (وليس من الغرور ولا التشدق أن أقول إنه لون قائم بنفسه، وأنني لم أُجارَ في عرضه واحداً من قبل، ولم يسبق لي أن قرأت عرضاً على هذا النسق يجمع بين الأدب والتاريخ، ويربط بين النواحي الخاصة والعامة).

دواوين النجف

وما كتبه الخليلي عن الجد السيد علي بحر العلوم في الموسوعة يحكي عن العلاقة الوثيقة، فهما متقاربان ليس في السن فقط، بل متقاربان في فهم البيئة الثقافية النجفية والوعي المجتمعي. كان الخليلي من رواد ديوان جدنا السيد علي، الذي تولى زعامة الاسرة بعد وفاة خاله الزعيم الوطني السيد محمد علي بحر العلوم عام 1935. والجدير كان اخو الخليلي عباس من أصدقاء ورواد ديوان السيد محمد علي أيضا ومن أعضاء (جمعية النهضة الإسلامية) التي تزعمها السيد محمد علي بحر العلوم والشيخ محمد الجواد الجزائري واخرين وكانت لها أدوار جهادية في ثورة النجف ضد الإنكليز، وهي معروفة لدى الجميع

 اذ كان الخليلي يركز على اهمية دواوين النجف او مجالسها باعتبارها مدارس ثقافية اجتماعية سياسية، ومساحة لرعاية الشأن العام الاجتماعي. واستمرت علاقة الخليلي بديواننا رغم انتقاله الى بغداد في الخمسينيات واستمر بارتياد الديوان بعد وفاة السيد الجد عام 1960، اذ استمر الديوان بمهمته حتى بعد اضطرار السيد بحر العلوم في مغادرة العراق عام 1969، فقد استمر الشهيدين الكبيرين السيدين علاء الدين والسيد عز الدين بإدارة الديوان رغم الظروف الصعبة التي حلت بالبلاد حتى اغلق ابوابه عام 1985 تجنباً من مضايقات وضغوطات. في نفس العام انتقل الخليلي الى رحمة الله وهو في الغربة.

رسالة اعتذار

بالمناسبة ليلة امس وانا اقلب في أرشيف المؤسسة وجدت رسالة اعتذار الى السيد بحر العلوم من الخليلي اذ لم يتمكن من حضور حفلة تأبين الجد السيد علي بسبب وضعه الصحي فكتب رسالة في 30 / 8/ 1960 على فورمات دار التعارف للطباعة والنشر والاعلان، فكتب يقول فيها(على رغم انك لم تفجع بابيك اباً زعيماً اكثر من فجيعتي به صديقاً كريماً لا تدع افضاله وشمائله طريقاً لنسيانه مدى العمر.... )، ثم يشرح حالته الصحية... ويقول لقد كان بالإمكان ان افلت من القيد والحضور ولكني خشيت ان تجيش عاطفتي فتهد من حيلي وفكرت ان اكتب كلمة لتتلى عني فخشيت ان لا تتلى كما ينبغي فاسيئ الى الفقيد واسيئ الى نفسي وهناك علة أخرى في عدم الكتابة ارجئتها الى مشافهتك، وبقي هنالك شيئ اخر وهو انني ساتولى بنفسي كتابة مقدمة ضافية، فيه اتي على كل ما اعرف عن هذا الصديق الذي قلما يجود الزمان بامثاله، فارجو ان تشملني بعطفك كما كان يفعل معي ابوك وان تدوم نعم الخلف لنعم سلف جعفر الخليلي  

وبالفعل لقد اوفي جعفر الخليلي بوعده وكتب في الجزء الأول من هكذا عرفتهم عن الجد السيد علي بحر العلوم كتابة رائعة،  استمر التواصل مع اسرة الخليلي تارة عبر كريمته السيدة فريدة في الأردن وأخرى كريمته السيدة ابتسام الخليلي في لندن. وكان الهم الأساس هو السعي لطباعة ما لم يُطبع من «موسوعة العتبات المقدسة» والجزء الأخير من «هكذا عرفتهم». وأتذكر اخر زيارتنا إلى السيدة ابتسام وزوجها – اختصاصي العيون الدكتور مظفر الشذر – في منتصف التسعينات في لندن، وكان محور الحديث عن أبيها (الخليلي) وتراثه. في عام 2012 قمنا بطباعة رسالة ماجستير عن جعفر الخليلي الصحفي والموسوعي و قابل السيد بحر العلوم  وفاء الخليلي بمقدمة ضافية تحت عنوان (هكذا عرفت الخليلي). ف

ذاكرة الجيل الثالث من الاسرة

بعد أربعين عاما من رحيل الخليلي، نقف اليوم في المؤسسة لننتزع ما بقي في ذاكرة الجيل الثالث من حكايا يمكن ان نختم به حديثنا عنه.  أتذكر في زيارة الخليلي للسيد الوالد بعد منتصف الستينات الى بيتنا في محلة العمارة، كانت نظراته منذ دخوله وحتى جلوسه كانت تتفقد الجدران والمكتبة والسلالم، ولم ادرك سر هذه النظرات.  إضافة الى ذلك وفي بداية الستينات، واثناء تفحصي لفاتورة الكهرباء التي يقدمها قاري عداد الكهرباء لبيتنا، اجدها تحمل اسم جعفر الخليلي. وبعد فترة من الزمن، وانا اقرأ يوميات السيد بحر العلوم – في بداية الخمسينيات كان يشير إلى  زياراته الى الخليلي في بغداد بعد انتقاله من النجف،  وكان الهدف منها هو الاتفاق لشراء  دار سكنه في محلة العمارة في النجف، ثم قرر بيع الدار وقد انتقلت ملكيته إلى والدي، فتم ذلك في حزيران 1951، وعرفت فيما بعد لماذا كانت عيناه متسمرة على جدران البيت: كان يحاول أن يستذكر بيته النجفي الذي سكنه لسنوات طوال، اما نحن فاستذكرنا البيت الذي ولدنا فيه في شباط 1954 انا وباقي اخوتي: اخي السفير محمد حسين والمرحوم السيد محمد علي واختي الشهيدة ام محسن واختي بشرى ، ليصبح بيت الخليلي جسرا وجزءا من ذاكرة الاسرة

نحن على ثقة أن ما غرسه الآباء والأجداد من الوفاء لهذه القامات ستحمله الأجيال القادمة وستحتفي به، لما تركه من تراثٍ خالد. رحم الله جعفر الخليلي، ورحم الله من حفظوا ذكره وواصلوا نشر أثره، وجعل هذه الذكرى محطةً للتأمل في معنى الثقافة والوفاء والهوية، وستظل النجف واحة لا تموت لان فيها من يكتبها ومن يحفظها ومن يرويها للأجيال. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

9 شباط 2026

نص الكلمة التي القيت باستذكار جعفر الخليلي يوم الاثنين 2026/2/9


مشاهدات 115
الكاتب إبراهيم بحر العلوم
أضيف 2026/02/14 - 2:10 AM
آخر تحديث 2026/02/14 - 12:37 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 442 الشهر 10565 الكلي 13942209
الوقت الآن
السبت 2026/2/14 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير