الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين تحجب المخصّصات عن الجامعات

بواسطة azzaman

حين تحجب المخصّصات عن الجامعات

سوزان الشمري

 

في مشهدٍ يعكس اختلال أولويات القرار العام في العراق، صدرت عن المجلس الاقتصادي توصيات تقشفية طالت – كالعادة – الحلقة الأضعف في الدولة: الجامعات، والأساتذة، والطلبة. توصيات دعت إلى حجب أو تقليص المخصصات الجامعية، وكأن التعليم العالي ترفٌ مالي يمكن الاستغناء عنه، لا ركيزة سيادية لبناء الدولة واستقرارها.

هذه التوصيات، التي قُدّمت تحت عنوان “الإصلاح الاقتصادي”، لم تمسّ مكامن الهدر الحقيقية، ولم تقترب من الامتيازات العليا، بل اختارت الطريق الأسهل: تحميل الكلفة للقطاع الأكاديمي، وللموظف، وللأسرة العراقية المنهكة أصلًا بارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.

في المقابل، يبرز صمت رسمي لافت إزاء ما يُتداول بشأن تحمّل الدولة العراقية أعباء مالية كبيرة تتعلق بإدارة ملفات أمنية حساسة، تشمل كلف إعاشة وإيواء عناصر إرهابية أُعيدوا إلى البلاد، بما يتطلبه ذلك من نفقات تشغيلية وخدمية تُدفع من المال العام. وهنا لا تكمن الخطورة في الأرقام وحدها، بل في غياب الشفافية، وغياب النقاش العام، وغياب التوازن في توزيع الأعباء.

موارد محدودة

المفارقة الصادمة أن التقشف يُمارَس بانتقائية واضحة؛

فبينما تُمسّ رواتب ومخصصات الموظفين، ويُضيَّق على الأستاذ الجامعي، وتُترك الجامعات تواجه أعباءها بموارد محدودة، تبقى نفقات الرئاسات الثلاث خارج أي مراجعة جدية:

لا مساس بالرواتب،

ولا بالمخصصات،

ولا بالامتيازات.

وهنا يبرز السؤال الجوهري:

أي إصلاح اقتصادي هذا الذي يبدأ من التعليم، ولا يقترب من هياكل الإنفاق الأعلى كلفة؟

وأي عدالة اجتماعية تُبنى على معادلة تُطالب المواطن بالمزيد من الصبر، مقابل تحصين الامتيازات؟

إن ضرب التعليم العالي لا يمكن تبريره بوصفه إجراءً ماليًا مؤقتًا، بل هو قرار استراتيجي خاطئ، يمسّ مستقبل الدولة وقدرتها على إنتاج المعرفة وبناء الإنسان. كما أن تهميش الأستاذ الجامعي لا يُنتج إصلاحًا، بل يراكم الإحباط ويقوّض الثقة بالمؤسسات.

الأخطر من ذلك، أن السكوت الحكومي والبرلماني إزاء هذه السياسات يضع علامات استفهام كبيرة حول دور الرقابة والمساءلة، ويحوّل الصــــمت من حيادٍ مفترض إلى مسؤولية سياسية مباشرة.

العراق لا يعاني من شحّ الموارد، بل من سوء إدارتها.

ولا يفتقر إلى المال، بل إلى أولويات عادلة وشجاعة في اتخاذ القرار.

وما لم يُعاد النظر في هذه السياسات، فإن كلفة الفشل ستستمر في الوقوع على من لا ذنب لهم، فيما تبقى مواقع النفوذ بمنأى عن أي تضحية.

ثمن الإخفاقات

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم، بلا تأجيل:

إلى متى يُطلب من المواطن العراقي أن يدفع ثمن إخفاقات لم يكن شريكًا فيها؟

وإلى متى تُدار الدولة بعقلية العقاب الجماعي بدل المساءلة الحقيقية؟

   تدريسية في كلية العلوم السياسية


مشاهدات 39
الكاتب سوزان الشمري
أضيف 2026/02/07 - 2:33 AM
آخر تحديث 2026/02/07 - 4:34 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 149 الشهر 4605 الكلي 13936249
الوقت الآن
السبت 2026/2/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير