الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قسد والرهان الخاسر على الأمريكان

بواسطة azzaman

قسد والرهان الخاسر على الأمريكان

قتيبة آل غصيبة

 

لم يكن انسحاب قوات سوريا الديمقراطية من مناطق واسعة شرق الفرات حدثاً عسكرياً معزولاً أو تطوراً تكتيكياً عابراً؛ بل لحظة كاشفة لحدود الرهان الكردي على الدعم الأمريكي، أعادت إلى الواجهة طبيعة التحالفات المؤقتة في السياسة الدولية؛ وكيف تُدار ملفات الأقليات والقوى المحلية بوصفها أدوات وظيفية لا مشاريع دائمة، برزت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) منذ تأسيسها عام 2015؛ كأهم شريك محلي للتحالف الدولي في الحرب على تنظيم داعش؛ ونجحت خلال سنوات قليلة في بسط سيطرتها على مساحات شاسعة من شمال وشرق سوريا؛ تضم موارد نفطية وزراعية حيوية؛ وتمكنت من تأسيس نموذجًا إدارياً ذاتياً بدا في حينه نواة لمشروع سياسي كردي واسع الطموح؛ غير أن هذا الصعود كان مشروطاً بسقف واضح رسمته واشنطن منذ البداية؛ سقف لا يتجاوز مهمة محاربة الإرهاب وضبط الفوضى ومنع خصومها من ملء الفراغ؛ من دون التزام استراتيجي طويل الأمد بحماية كيان سياسي غير معترف به دولياً. ح

مع انحسار تهديد داعش وتبدل أولويات الولايات المتحدة؛ ولا سيما مع تصاعد التنافس مع الصين والرغبة في تقليص الانخراط العسكري المباشر في الشرق الأوسط؛ بدأ هذا السقف يهبط تدريجياً حتى لحظة الانكشاف؛ فالولايات المتحدة لم تكن مستعدة للدخول في مواجهة مفتوحة مع تركيا؛ ولا لتحمل كلفة صدام طويل مع دمشق وحلفائها من أجل «قسد»،  وجاء الضغط التركي المستمر؛ الذي يرى في وحدات حماية الشعب امتداداً لحزب العمال الكردستاني؛ ليعجّل في هذا التحول؛ إذ فضّلت واشنطن الحفاظ على توازناتها مع تركيا كحليف في الناتو على حساب شريك محلي قابل للاستبدال، ومع تراجع الغطاء الأمريكي؛ وجدت قسد نفسها مضطرة إلى الانخراط في تفاهمات مع دمشق برعاية أمريكية؛ تضمن لها البقاء كقوة محلية محدودة النفوذ مقابل التخلي عن جوهر مشروع الحكم الذاتي.

نقاط ضعف

في الداخل؛ لم تكن التجربة خالية من نقاط الضعف، فقد فشلت الإدارة الذاتية في بناء قاعدة اجتماعية متماسكة في مناطق عربية واسعة؛ ولا سيما في دير الزور والرقة؛ حيث عمّق الخلل في التمثيل السياسي والسياسات الأمنية فجوة الثقة مع العشائر المحلية، ومع غياب حاضنة شعبية جامعة؛ تحولت السيطرة إلى عبء يحتاج إلى حماية خارجية دائمة؛ وهو ما فقدته قسد مع تبدل المزاج الأمريكي.

وفي ظل هذا المشهد؛ يبرز سيناريو شديد الحساسية يتمثل في الدور المحتمل لحزب العمال الكردستاني؛ سواء بشكل مباشر أو غير مباشر؛ في إعادة تجميع جزء من قوات قسد المنسحبة؛ وربطها بفصائل كردية إيرانية معارضة؛ في إطار تشكيلات مسلحة عابرة للحدود، هذا السيناريو؛ إن تطور؛ قد يقوم على فكرة توحيد الساحات الكردية في سوريا والعراق وتركيا وإيران؛ ورفع مستوى الضغط الأمني والسياسي على الحكومات المركزية عبر نشاط مسلح متزامن أو متدرج، ورغم أن إقليم كردستان العراق يُعلن رسميًا رفضه لأي نشاط يهدد استقراره أو يجره إلى صراعات إقليمية؛ فإن الجغرافيا والتداخل الحزبي والتاريخي يجعل الإقليم ساحة محتملة للتأثر أو الاحتواء أو حتى الوساطة؛ سواء أراد ذلك أم لا، مثل هذا المسار؛ إذا ما أخذ شكله العملي؛ يحمل تداعيات ثقيلة، (في العراق؛ قد يعيد فتح ملف السلاح خارج الدولة ويضع بغداد أمام اختبار أمني وسيادي جديد) ، (وفي سوريا؛ قد يمنح دمشق ذريعة لتشديد قبضتها العسكرية بدعم أمريكي وتركيا) ، (وفي تركيا؛  قد يدفع إلى تصعيد أمني واسع النطاق تحت شعار مكافحة الإرهاب) ، (أما في إيران؛ فسيُقابل على الأرجح برد أمني صارم يعزز نهج الاحتواء والقمع) ، (وعلى المستوى الإقليمي؛ سيُنظر إلى أي تشكل مسلح عابر للحدود بوصفه عامل عدم استقرار؛ يبرر مزيداً من التدخلات الخارجية ويُضعف فرص أي تسوية سياسية عادلة للقضية الكردية.)

انحسار مشروع

تداعيات الانسحاب لا تتوقف عند هذا الحد، (ففي سوريا؛ يعني تراجع قسد عملياً انحسار المشروع الكردي شبه المستقل وعودة النظام إلى الإمساك بأوراق استراتيجية كان قد فقدها لسنوات؛ بما يهدد بتهميش المطالب الكردية من أجل أي حل سياسي مقبل) ، (وفي العراق، يبعث المشهد برسالة تحذير إلى إقليم كردستان بأن الدعم الدولي ليس ضمانة دائمة؛ وأن التوازنات قد تنقلب حين تتغير حسابات القوى الكبرى)، (وفي تركيا؛ يُقرأ التراجع الكردي في سوريا بوصفه فرصة لتقويض أي إمكانية لنشوء كيان كردي متصل جغرافياً على حدودها الجنوبية)، (أما إيران؛ فترى في ضعف التجربة الكردية السورية عامل طمأنة نسبياً؛ يقلل من احتمالات انتقال نموذج الحكم الذاتي إلى داخل أراضيها.)

إقليمياً، يفتح انسحاب قسد الباب أمام إعادة تــــــوزيع النفوذ في شرق الفرات؛ حيث يعزز النظام السوري حضوره بدعم أمريكي وتركي؛ فيمـــا يتراجع الدور الروسي والتركي إلى حدوده الدنيا، وفي الوقت ذاته؛ يظل هاجس عودة نشاط خلايا داعش قائماً؛ مستفيداً من الفراغات الأمنية والمرحلة الانتقالية الهشة؛ ما يضيف بعداً أمنياً آخر إلى كلفة هذا التحول.

في المحصلة، تكشف هذه المرحلة عن درس قاسٍ ومتكرر؛ (بإن التحالف مع القوى الكبرى يمنح قوة مؤقتة؛ لكنه لا يبني مشروعاً مستداماً ما لم يستند إلى شرعية داخلية وتوازنات إقليمية قابلة للحياة)، وبين خيار الانكفاء التفاوضي وخطر الانزلاق إلى عسكرة عابرة للحدود؛ يقف الأكراد اليوم أمام مفترق طرق تاريخي؛ تتجاوز نتائجه مصير قسد وحدها، لتطال استقرار أربع دول ومجمل معادلات الشرق الأوسط في السنوات المقبلة.

والله المستعان..


مشاهدات 57
الكاتب قتيبة آل غصيبة
أضيف 2026/01/27 - 3:27 PM
آخر تحديث 2026/01/28 - 2:36 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 80 الشهر 21137 الكلي 13528560
الوقت الآن
الأربعاء 2026/1/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير